ونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: (وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) [الحج: 59] ، وهذا يفيد -والله أعلم بمراده- أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم أركان الحكمة [1] التي هي من أهم ملامح الوسطية.
ومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة -التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله -مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- للحلم وتعظيمه لأمره وأنه من الخصال التي يحبها الله، قوله للأشج [2] :"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" [3] .
وفي رواية الأشج: يا رسول الله، أنا تخلقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال:"بل الله جبلك عليهما"قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله [4] .
وسبب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك للأشج ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقربه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-:"تبايعون على أنفسكم وقومكم؟ فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبي قاتلناه، قال:"صدقت، إن فيك خصلتين .." [5] ."
فالأناة: تربصه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم: هذا القول الذي قاله، الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب ... [6] ، ومما يؤكد أن الحلم من
(1) أخلاق القرآن للشرباصي (1/ 185) .
(2) المنذر بن عائذ بن المنذر العصري، أشجع عبد القيس، كان سيد قومه، رجع بعد إسلامه إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة، بعد ذلك ومات بها -رضي الله عنه- انظر: تهذيب التهذيب (10/ 267) .
(3) مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (1/ 48) .
(4) أبو داود، كتاب الأدب، باب في قبلة الجسد (4/ 357) ، وأحمد (4/ 206، 3/ 23) .
(5) مسلم وشرح النووي، كتاب الإيمانن باب مبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لوفد عيد قيس (1/ 189) .
(6) شرح النووي، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (1/ 189) .