وجليلها في هذا المجال؟ ومع هذا فَإِنَّ المؤلفات التي دُوِّنَتْ عن حياة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مختلف ظواهرها لم يُدَوَّنْ مثلها لرجل في التاريخ قط. وأحاول الآن أنْ أتناول الخطوط الكبرى لموضوعنا هذا.
لقد اصطفى الله تعالى مُحَمَّدًا - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وربَّاه وعلَّمه بعنايته الإلهية ليتمكَّن من حمل الرسالة وتبليغها، فأُعِدَّ إعدادًا عظيمًا، حَتَّى كَانَ القُرْآنُ خُلُقَهُ: يرضى برضاه، ويسخط بسخطه [1] ، بُعث لِيُتَمِّمَ مكارم الأخلاق، «فَلَمْ يَكُنْ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاَقًا» [2] . «كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» [3] ، «وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ» [4] ، «وَإِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ» [5] وَكَانَ أَصْحَابه يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى إِنْسَانٍ قَطُّ لِنَفْسِهِ، وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ «إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» [6] .
كان سيد الناس في أخلاقه ومعاملاته؛ وكيف لا وقد اختاره الله تعالى ليكون للعالم أسوة حسنة، وأوحى إليه ليكون لهم بشيرًا ونذيرًا؟ {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [7] فكانت مُهِمَّتُهُ - عَلَيْهِ
(1) روي عن عائشة نحوه، انظر"سنن ابن ماجه": الأحكام.
(2) روي عن عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:"فتح الباري": ص 285 جـ 7.
(3) عن أبي سعيد الخُدري:"فتح الباري": ص 387 جـ 7.
(4) من طريق شُعبة بن الحجاج:"فتح الباري": ص 388 جـ 7.
(5) "فتح الباري": ص 384 جـ 7.
(6) المرجع السابق: ص 387 جـ 7 من حديث عائشة.
(7) [سورة الجمعة، الآية: 2] .