رحل في حرف [1] ، ويظهر أن «مَسْرُوقًا» [2] كان كثير الترحال، ولذلك قَالَ عَامِرُ الشَّعْبِيِّ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَانَ أَطْلَبَ [لِلْعِلْمِ] فِي أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ مِنْ مَسْرُوقٍ» [3] . ويروى عن الشعبي أنه حَدَّثَ بحديث ثم قال لمن حدثه: «أَعْطَيْتُكَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَيَرْكَبُ إِلَى المَدِينَةِ فِيمَا دُونَهُ» [4] .
وكان الصحابة الكرام يشجعون على طلب العلم، وعلى الرحلة من أجله، من هذا ما رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى مِنِّي، تَبْلُغُهُ الإِبِلُ، لأَتَيْتُهُ» [5] ، وكانوا يرحبون بطلاب العلم كما سبق أن ذكرنا، وكل هذا حَبَّبَ إلى التابعين الرحلة، حتى إِنَّ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ مِنْ أَقْصَى الشَّامِ إِلَى أَقْصَى اليَمَنِ؛ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ حِكْمَةٍ مَا رَأَيْتُ سَفَرَهُ ضَاعَ [6] » ، وفعلًا كانوا يرحلون إلى الصحابة ولا يرون أن سفرهم قد ضاع.
عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَيْتُكَ مِنَ المَدِينَةِ، مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ
(1) "جامع بيان العلم وفضله": ص 94 جـ 1.
(2) ومسروق هو ابن الأجدع الهمداني أبو عائشة تابعي ثقة يمني الأصل، رحل إلى المدينة أيام أبي بكر ثم سكن الكوفة وشهد حروب علي وكان يفتي، تُوُفِّيَ سَنَةَ (62 هـ) . انظر:"تهذيب التهذيب": ص 109 جـ 10.
(3) "جامع بيان العلم وفضله": ص 94 جـ 1. و"المحدث الفاصل": ص 29: آ.
(4) "جامع بيان العلم وفضله": ص 94 جـ 1. و"معرفة علوم الحديث": ص 7، وقد أخرج الشيخان نحوه، انظر"صحيح البخاري بحاشية السندي": ص 171 جـ 2، وانظر"الأدب المفرد": ص 81، و"صحيح مسلم": ص 135 جـ 1، كما أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
(5) "الكفاية": ص 402.
(6) "جامع بيان العلم وفضله": ص 95 جـ 1. و"الرحلة الحجازية والرياض الأنسية": ص 14.