ويترجمونها إلى غير العربية، فإباحة ترجمة الحديث إلى لغة ثانية دليل على إباحة نقله بنفس اللغة على معناه، بلفظ عربي هو أقرب إلى لفظ الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ألفاظ اللغة الأجنبية [1] ، بل هذا أولى بأن يكون مُبَاحًا.
وللذين كرهوا الرواية على المعنى أدلة منها حديث «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ» ، وَمَا رَوَاهُ البَرَاءُ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا بَرَاءُ كَيْفَ تَقُولُ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ طَاهِرًا، فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» ، فَقُلْتُ كَمَا عَلَّمَنِي غَيْرَ أَنِّي قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: «وَ (بِنَبِيِّكَ) ، فَمَنْ قَالَهَا مِنْ لَيْلَتِهِ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ» [2] .
وقد أطال بعض العلماء القول في أدلة كل من المجيزين للرواية على المعنى والمانعين لها [3] . وأجمع العلماء كلهم على أنه لا يجوز للجاهل بمعنى ما ينقل أن يروي الحديث على المعنى. ومن أجاز هذه الرواية إنما أجازها للعالم بشروط، قَالَ المَاوَرْدِيُّ: «إِنْ نَسِيَ اللَّفْظَ جَازَ، لأَنَّهُ تَحَمَّلَ اللَّفْظَ وَالمَعْنَى، وَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ
(1) انظر"الكفاية": ص 203.
(2) "الكفاية": ص 175. و"المحدث الفاصل": ص 125: آ.
(3) تكلم الخطيب البغدادي في الرواية على المعنى واللفظ وذكر الأدلة في ذلك، راجع"الكفاية": ص 198 - 203 وتكلم العراقي حول الرواية بالمعنى، انظر"فتح المغيث": ص 48 جـ 3 وما بعدها، وكذلك السيوطي في"تدريب الراوي": انظر ص 311 وما بعدها. وكذلك الحافظ ابن كثير، انظر"الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث": ص 157 وما بعدها، وَفَصَّلَ الشيخ طاهر الجزائري أقوال العلماء وأدلتهم في"توجيه النظر": ص 298 - 314 وهو خير من استوفى هذا البحث من المتأخرين.