الحَجَّاِج يقول: «التَّدْلِيسُ فِي الحَدِيثِ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ; وَلأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» [1] . وفي رواية عنه أنه كان يقول: «لأَنْ أَقَعََ مِنْ فَوْقِ هَذَا القَصْرِ - لِدَارٍ حِيَالَهُ [2] - عَلَى رَأْسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ: قَالَ فُلاَنٌ، لِرَجُلٍ تَرَوْنَهُ، أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ ذَاكَ مِنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ» [3] .
وَمِنْهُمْ مِنْ كَانَ يَقْتَصِدُ فِى رِوايَةَ الحَديثِ عَلَى طُلاَّبِهِ لِيَفْهَمُوا مَا يُحَدِّثُهُمْ بِهِ وَيَعْقِلُوهُ وَيَتَدَبَّرُوهُ، وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاء، قَالَ: «كُنَّا نَأْتِي أَبَا قِلاَبَةَ، فَإِذَا حَدَّثَنَا بِثَلاَثَةِ أَحَادِيثَ قَالَ: قَدْ أَكْثَرْتُ» [4] ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا مَا قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ: «إِنَّمَا عَابُوا الإِكْثَارَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرْتَفِعَ التَدَبُّرُ وَالتَّفَهُّمُ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا حَكَاهُ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلَنِي الأَعْمَشُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَا وَهُوَ لاَ غَيْرَ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا يَا يَعْقُوبُ؟ فَقُلْتُ: بِالحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثْتَنِي أَنْتَ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ، فَقَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ إِنِّي لأَحْفَظُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَبَوَاكَ [5] مَا عَرَفْتُ تَأْوِيلَهُ إِلَى الآنَ» [6] .
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا: أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ الأَعْمَشِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِ الأَعْمَشِ: «أَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» [7] .
(1) مقدمة"التمهيد": ص 5: ب.
(2) هكذا النص والمعنى: لدار قريبة منه.
(3) مقدمة"الجرح والتعديل": ص 174، ويروى نحوه عن مطرف بن طريف، انظر نفس المصدر: ص 42.
(4) انظر"المحدث الفاصل": ص 145، 146.
(5) أي من قبل أنْ يُخْلَقَ، كناية عن أنه حفظه منذ زمن بعيد.
(6) هكذا النص والأصوب أَنْ تَكُونَ «إلاَّ» .
(7) "جامع بيان العلم وفضله": ص 130، جـ 2.