وعن عمر; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"أخرجاه1.
قوله:"لا تطروني": الإطراء: المبالغة في المدح.
وهذا النهي يحتمل أنه منصت على هذا التشبيه، وهو قوله:"كما أطرت النصارى ابن مريم"، حيث جعلوه إلها أو ابنا لله، وبهذا يوحي قول البوصيري:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
أي: دع ما قاله النصارى أن عيسى عليه الصلاة والسلام ابن الله أو ثالث ثلاثة، والباقي املأ فمك في مدحه ولو بما لا يرضيه ويحتمل أن النهي عام; فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه ويكون قوله:"كما أطرت"لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق; لأن إطراء النصارى عيسى بن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث جعلوه ابنا لله وثالث ثلاثة، والدليل على أن المراد هذا.
قوله:"إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".
قوله:"إنما أنا عبد": أي: ليس لي حق من الربوبية، ولا مما يختص به الله عزوجل أبدا.
قوله:"فقولوا عبد الله ورسوله": هذان الوصفان أصدق وصف وأشرفه في الرسول صلى الله عليه وسلم فأشرف وصف للإنسان أن يكون من عباد الله، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} 2، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} 3 ; فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن كونهم
1 أخرجه البخارى (3445, 6830) , وأحمد (1/23 ,1/24) ، ولم أجده عند مسلم.
2 سورة الفرقان آية: 63.
3 سورة الصافات آية: 171.