فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 493

وادخل إلى الغار واعتبر، واعلم أني قد ملكت البلاد وحكمت على العباد وما نلت من الدنيا المراد، قال: فدخل الإسكندر الغار وقد أسبل الدموع الغزار، فوجد شيخا عظيم الهامة طويل القامة على سرير من الذهب ملقى، وقد ترك جميع ما ملك، وألقى يده اليمنى مقبوضة والأخرى مفتوحة، ومفاتيح خزانته عند رأسه مطروحة، وعلى يمينه لوح مكتوب فيه: جمعنا الماء وأمسكناه، وعلى شماله لوح مكتوب فيه: ثم رحنا وتركناه وعند رأسه لوح مكتوب فيه:

لقد عمّرت في زمن سعيد ... وكنت من الحوادث في أمان

وقاربت الثريّا في علوّ ... فصرت على السرير كما تراني

فقال الإسكندر: سبحان الملك الذي لا عز إلا عزه. ووقع في قلبه الوجل والوله، فترك كل ما كان له وتخلى للعبادة وأصلح عمله وفرق الذخائر والخزائن، وتصدق بماله في الحصون والمدائن، وأعتق العبيد والخدم، وانتصب لعبادة الله على أحسن قدم وقال: أعزل نفسي قبل العزل، وأحاسبها قبل حساب يوم الفصل، ولبس الخشن والمسوح رغبة في ملك الأبد والثواب الممنوح، وجرح نفسه بسكين الجوى، حتى أعرضت عن مهاوي الهوى، لما وجد في الغار الدوا، وترك ما حاز واحتوى واعتزل اللهو وانزوى، ولبساط الرغبة طوى ولسان حاله ينشد لما تم له واستوى:

دع الهوى، فآفة العقل الهوى ... ومنتهى الوصل صدود ونوى

وراقب الله، فأنت راحل ... إلى الثرى، ومعظم العمر انطوى

ما ينفع الإنسان يوم موته ... ما حاز من أمواله وما احتوى

يقسمها وارثه برغمه ... وهو بنار إثمها قد اكتوى

تب قبل شيب الراس، فالتائب لا ... يتبع شيب رأسه إلا التوى

ما دام في العمر اخضرار عوده ... سهل، وصعب عوده إذا ذوى

إذا أضيع أوّل العمر أبت ... أعجازه إلا اعوجاجا والتوا

قيل: ورجع الإسكندر من بابل وقد أحاطت به البلابل وظهرت به آثار السقام، حتى ثقل لسانه بالكلام وكان قد رأى في منامه وطيب لذيذ أحلامه أنه سيموت فوق أرض من حديد وتحت سماء من حديد، ثم أخذه العطش والحمى والتلهب والظمأ ففرشوا تحته دروع الحديد وظللوا فوقه بالجحف الفولاذ استجلابا للتبريد، فأفاق بعد زمان من الغشوة واللهف، فرأى دروع الحديد تحته وفوقه الجحف، فأيقن بارتحاله، فكتب كتابا إلى أمه بصورة حاله وأوصاها بأن تعمل له وليمة عجيبة الأسلوب، وأن لا يحضرها إلا من لا أصيب بخليل ولا محبوب. فلما مات رحمه الله وضع في تابوت من ذهب ليحمل إلى أمه بالإسكندرية، واجتمعت له هذه النعم وعمره ست وثلاثون سنة. وكان مدة ملكه تسع سنين. فقال حكيم الحكماء: ليتكلم كل منكم بكلام ليكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا. فقام أحدهم وقال: لقد أصبح مستأسر الملوك أسيرا. وقال آخر: هذا الإسكندر كان يخبأ الذهب فصار الذهب يخبؤه. وقال آخر: العجب كل العجب أن القوي قد غلب والضعفاء مغترون. وقال آخر: قد كنت لنا واعظا ولا واعظ أبلغ من وفاتك. وقال آخر: رب هائب لك لا يقدر أن يذكرك سرا وهو الآن لا يخافك جهرا. وقال آخر: يا من ضاقت عليه الأرض في طولها والعرض، ليت شعري كيف حالك في قدر طولك؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت