ثم أغفى إغفاءه فطلع طالع من البحر حتى سد الأفق بطوله وارتفع كالغمامة العظيمة السوداء فسد الضوء عن الأرض، فبادرت الجيوش والمقاتلة إلى قسيهم واشتد الصياح، فانتبه الاسكندر ونادى: ما الذي نابكم وما شأنكم؟ فقالوا: الذي ترى. قال: أمسكوا عن سلاحكم وكفوا عن انزعاجكم، لم يكن الله عز وجل ليلهمني لما أراد ويغربني عن أهلي ومسقط رأسي ي البلاد لمصالح الخلق والعباد مدة عشرين سنة وستة شهور، ثم يسلط علي بهيمة من بهائم البحر المسجور. فكف الناس عن السلاح وأقبل الطالع نحو السد حتى علاه وارتفع عليه رمية سهم، ثم قال: أيها الملك، أنا ساكن هذا البحر، وقد رأيت هذا المكان مسدودا سبع مرات، وفي وحي الله عز وجل أن ملكا، عصره عصرك وصورته صورتك وصوته صوتك واسمه اسمك، يسد هذا الثغر سدا مؤبدا، فأحسن الله معونتك وأجزل مثوبتك ورد غربتك وأحسن أوبتك فأنت ذلك الملك الهمام وعليك من الله السلام. ثم غاب عن بصره فلم يعلم كيف ذهب وليكن هذا آخر الكلام على البحار والجزائر والعجائب.
قيل: إن الأمطار والثلوج إذا وقعت على الجبال تنصب إلى مغارات بها وتبقى مخزونة فيها في الشتاء، فإن كان في أسافل الجبال منافذ ينزل الماء من تلك المنافذ فيحصل منها الجداول وينضم بعضها إلى بعض فتحدث منها الأنهار والغدران والأودية، فإن كانت المغارات التي هي الخزانات لهذه المياه في أعالي الجبل استمر جريانه أبدا من غير انقطاع لأن المياه تنصب إلى سفح الجبل ولا تنقطع لاتصال الامتداد من الأمطار والثلوج، وإن انقطعت لانقطاع المدد بقيت المياه واقفة، كما ترى في الأودية من الغدران التي تجري في وقت وتنقطع في وقت.
قال بطليموس في كتاب جغرافيا: إن بهذا الربع المسكون مائة نهر، طول كل نهر منها من خمسين فرسخا إلى ألف فرسخ، فمنها ما يجري من المشرق إلى المغرب، ومنها ما يجري بالعكس، ومنها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، ومنها ما يجري بالعكس.
وكلها تبتدئ من الجبال وتصب في البحار بعد انتفاع العالم بها. وفي ضمن ممرها تتصور بطائح وبحيرات [348] ، فإذا صبت في البحر المالح وأشرقت الشمس على البحار فتصعد إلى الجو بخارا ثم ينعقد غيوما وأندية كالدولاب الدائر، فلا يزال الأمر كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله. فسبحان المدبر لمملكته ببدائع حكمته، لا إله إلا هو.
فأول ما نبدأ بذكره نهر أثل: وهو نهر عظيم في بلاد الخزر، ويقارب دجلة، ومجيئه من أرض الروس وبلغار ومصبه في بحر الخزر. وقد ذكر الحكماء أنه يتشعب
(348) البحيرات: تعرف البحيرات بأنها كتل مائية داخل منخفض أرضي ولا تتصل بالبحر (القاموس الجغرافي، محمد صبري محسوب، ص 86) .