إِسْمَاعَ الطلاب كثيرًا من الأجزاء الحديثية، ودروسًا في النحو والمصطلح وأصولِ الفقه، واستمرَّ الحالُ على ذلك عامًا كاملًا أو يزيد، وأَعْقِدُ فِي الغالب مجالسَ الدرْسِ والإِمْلاءِ من بعد صلاة الفجر إلى قربِ الظهرِ وربما استمرَّ الدرس إلى ما بعد الظهرِ وأحيانًا إلى المغرب، وفي رَمَضانَ مِنْ بَعْدِ التراويحِ إلَى صلاةِ الفَجْر، والحمد ُلله كثيرًا كثيرا.
وقد اختار الله تعالى كثيرًا من التلامذة المذكورينَ وقُتِلُوا أَوائِلَ هذه الحمْلَةِ الصليبيةِ دِفَاعًا عَن الدين وصيانةً للحُرُماتِ، رَحِمَهُم الله وتَقَبَّلَهُمْ مِنَ الشهداء؛ وجَمَعَ لَنا ولَهُمْ بَيْنَ شَرَفَي العلمِ والجهاد فِي سبيله إنه تعالى جواد كريم.
ومما فتحَ اللهُ بِهِ عليَّ بَعْدَ أَنْ اشْتَدَّ عُودُ العلم واسْتَوى على سُوقِهِ ورَزَقَنِي اللهُ تعالى ما أُمَيِّزُ بهِ بين الحقِّ والباطلِ والصواب والخطأِ أنْ سَلَكْتُ مَسْلَكَ كَثيرٍ مِنْ مُتَقدِّمِي العلَماءِ فِي الطلب، وهو أننِي لا أَدَعُ علمًا إلا وَوَلَجْتُ بابه؛ حاشا علمًا دلّ الشرعُ علَى حُرْمَةِ النظر فيه كالسحْرِ والتَّنْجِيمِ ونحوِ ذلك، وما سوى ذلكَ فالقاعِدَةُ فيه ما ذكَرَهُ الشوكانِيُّ في أَدَبِ الطلَبِ؛ وهوَ مِنْ نفائِسِ كُتُبِهِ أنَّ العْلْمَ بالشيءِ أولَى مِن الْجَهْلِ بِه، ومتَى كانَ الطالِبُ عالِمًا بالفَنِّ كان حاكمًا عليه، فإنْ جهلِهُ كان محكومًا علَيْهِ! وشتانَ بَيْنَهُما، ولكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لا يُقْدِمَ الطالِبُ علَى ذلكَ حتّى يَتَشَبَّعَ بِمَعْرِفَةِ مذاهبِ أهْلِ السنةِ والْجَماعَةِ رَحِمَهُمُ الله وما كان عليه سلَفُ الأمة عقيدةً وعبادةً وفقهًا وسلوكًا حذرًا منَ الوقُوعِ فِي مسالك البدَعِ ومَداحِضِ الأهواء.
وقد نفعني الله تعالى بذلك نفعًا عظيما وله وحده الفضل والمنة، فطالعتُ كلَّ كتابٍ وقعَ تَحْتَ يدي فِي كُلِّ فَنٍّ مِن الفُنُونِ مُطالَعَةً تامةً ولله الحمد؛ وقَيَّدْتُ فوائدَه حتى اجتمعتْ لديَّ آلافٌ منَ الفوائد؛ وكثيرٌ منها من غير مظانِّها؛ والفضل لله وحده.
ولما وقعت المحنةُ بِهذهِ الحمْلَةِ الصليبِيَّةِ كانَتْ مِنْحَةً مِن الله تعالى وإنْ رَغَمِتْ أُنُوفُ أَعْداءِ الدين، وأنُوفُ مَنْ علَى شاكِلَتِهمْ من المُنافِقِينِ وباعَةِ الدين، فَعَكَفْتُ فِي هذه السنينَ علِى المطالعةِ وجَمْعِ الفوائد وتَقْييدِهَا وفَهْرَسَتِهَا؛ ولم يكن لي شغلٌ سِوى ذلك، فطالَعْتُ مما وَقَعَتْ علَيهِ يدي من كُتُبِ العلُومِ والفنُونِ مئاتٍ مِنَ الْمُجَلَّداتِ؛ بل لعلها تبلغ الألف إن شاء الله تعالى مطالعةً تامةً حرفًا حرفًا، مع تقييدِ النكاتِ ونفائِسِ الفوائدِ وَضَمِّ النظير إلِى نَظيرِه، وغالبُ وقْتِي ولله الحمدُ مَعْمُورٌ بذلك إلا فيما لابدَّ منهُ مِن ضَرُوراتِ الحياة، وكثيرًا ما أُطالِعُ الْمُجَلَّدَةِ بتمامِها مِن بعدِ صلاةِ الفَجْرِ إلى منتصف الليل، فالحمدُ لله الذي وَفَّقَنِي لِهذا مِنْ غَير حوْلٍ مني ولا قوة، وأسأله تعالى المزيد من فضله والله ذو الفضل العظيم.
ومما أنعمَ اللهُ تعالَى به عليَّ أنْ ألْهَمَنِي منذُ بداية الطلب تقييدَ فوائدَ لِجُمْلَةٍ من التصانيفِ هيَ مِن أَعْمالِ العُمُر، فاجْتَمَعَ بِفَضْلِ الله تعالَى مِنْ مادَّتِها عَرائِسُ النفائس، إنْ فسح الله تعالى في الأجل حَبّرْتُهَا لأهل الإسلام تحبيرًا، والله ينفَعُنِي بِها ومنْ شاء من عباده ويُيَسِّرُ لِي إتْمامها، ويَجْعلُها مباركًا فيها مباركًا عليها إنه تعالى رؤوف رحيم.
وهذه إشارة إلى أهمها:
1 -ترتيبُ مسندِ أحْمَدَ رحمه الله على أبواب صحيح البخاري مع حَذْفِ التكرارِ ودراسة الأسانيدِ وشرحٍ متوسِّطٍ عليه يتناول مسائلَ النوازِل تناولًا أوليًا. وقد فتح الله عليّ به مِنْ وَصِيَّةِ الإمام الذهبي بالمسند رحمه الله.
2 -كتابٌ في دَلالَةِ الكتاب والسنة على القواعدِ الأُصُولِيةِ، عَرَضْتُ فِكْرَتَهُ على شيخنا أبي محمد السندي رحمه الله فاسْتَحْسَنَها جدًّا، وعلى شيخِنا أبِي المعالي فحثنِي عليه واستطالَه، وبالله وحده أستعين.
3 -دلالةُ الكتاب والسنة على القواعِدِ الحديثية.
4 -نظمٌ في وَفِيّاتِ رجال البخاري ومسلم رحمهم الله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)