وليس هذا بشيء؛ لأنه إن كان حقيقًا بأن يتهم في شيء من روايته مما ينافي العدالة فلم تثبت عدالته، وقد شرحت هذا في التنكيل.
فصل ـ 10
في المعدل والجارح
أما المعدل فشرطه أن يكون في نفسه بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عارفًا بما يثبت العدالة وما ينافيها، ذا خبرة بمن يعدله، ولابد أن يكون متيقظًا، عارفًا بطباع الناس وأعرافهم.
وهل يكفي الواحد؟ اختلف في ذلك:
فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لابد من ثلاثة، و احتج بما في صحيح مسلم من حديث قبيصة بن المخارق عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة ... ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش".
قال أبو عبيد:"وإذا كان هذا في حق الحاجة فغيرها أولى"فتح المغيث ص123.
أقول: ومما يساعده أن العدالة تتعلق بما يخفى من حال الإنسان كالحاجة.
ولكن يرد عليه أمور منها:
أن هذا الحديث تفرد به عن قبيصة: كنانة بن نعيم، ولم يعدله ثلاثة .. وإنما قال ابن سعد:"فهو معروف ثقة إن شاء الله"فلم يجزم، ووثقه العجلي، وسيأتي في بحث المجهول أن في توثيقه نظرًا، وأن مذهبه قريب من مذهب ابن حبان، ووثقه ابن حبان،ومذهبه معروف في التسامح، ويأتي بيانه ـ أيضًا ـ فإذا عددنا إخراج مسلم لحديثه توثيقًا فلم يسلم له إلا مسلم.
الأمر الثاني: أن هؤلاء كلهم لم يدركوا كنانة، وإنما وثقوه بناء على مذاهبهم: أن من روى عنه الثقات، ولم يجرح، ولم يأت بمنكر، فهو ثقة، وسيأتي الكلام في هذا ـ إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: ظاهر الحديث أنه لا يحل للمحتاج المسألة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيخبرون أنه نزلت به فاقة، ولا يعرف أحد قال بهذا، بل مدار الحل عند أهل العلم على نفس الحاجة، فإن احتاج في نفسه إلى المسألة حلت له، ولا نعلم أحدًا تكلف العمل بهذا، وليس هذا من رد السنة بعدم العمل بموافق لها، أو عامل بها، وإنما المقصود أن مثل هذا قد يستنكر فيصير الحديث منكرًا، فيقدح في راويه ـ أعني كنانة بن نعيم ـ مع قلة ماله من الحديث، ومع أنه في حديثه هذا شيء من الاختلاف: فرواه حماد بن زيد عن هارون بن رئاب عن كنانة كما مر.
ورواه ابن عيينة عن هارون فقال في أوله:"إن المسألة لا تصلح"وقال مرة:"حرمت"أخرجه أحمد في المسند (3/ 475) .
ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب عن هارون فلم يذكر محل الشاهد أصلًا، بل قال:"إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة .. ورجل أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قوامًا من عيش"أخرجه أحمد في المسند (5/ 60) .
الأمر الرابع: أن مقتضى حمل الشاهد والمخبر على المحتاج أن لا يحل أن يشهد أحد أو يخبر حتى يعدله ثلاثة، وهذا لا قائل به، ولا يعلم واحد فضلًا عن ثلاثة عدل كنانة قبل أن يخبر.
الأمر الخامس: أن الأولوية التي ادعاها أبو عبيد غير ظاهرة، بل الصواب عكس ما قال، وبيان ذلك أن الحكمة في تحريم المسألة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قوم من يريد المسألة هي أولًا: منع أهل الستر عن المسألة بدون حاجة، لأن أحدهم يرى أنه لو استشهد ثلاثة من قومه لا يشهدون له، وإن أقدم على المسألة بدون شهادة كان عند الناس أنه أقدم على محرم، وهو يكره ذلك محبة الستر.
وثانيًا: شرع طريق يرجى أن يستغني بها المحتاج من أهل الصلاح أو الستر، فلا يحتاج إلى المسألة البتة، وإيضاحه أنه لا يقدم على المسألة بدون استشهاد فيضطر إلى أن يطالب ثلاثة من ذوي الحجا من قومه بأن يشهدوا له، ولا ريب أنهم إذا علموا حاجته وجب عليهم أحد أمرين: إما أن يقوموا فيشهدوا، وإما أن يواسوه من أموالهم بما يغنيه عن المسألة، ولعل هذا الثاني يكون أيسر عليهم، لأنهم يرون أن اقتصارهم على أن يقوموا فيشهدوا يحمل الناس على أن يرموهم باللؤم، ويقول الناس: أما كان في أموال هؤلاء الثلاثة متسع لأن يواسوا ابن عمهم بما يسد فاقته إلى أن يجد قوامًا من عيش؟! ولهذا ـ والله أعلم ـ شرط في الحديث أن يكونوا من قومه، وأن يكونوا من ذوي الحجا، وأن يكونوا ثلاثة؛ لأن الغالب أن الثلاثة لا يكونون كلهم فقراء أو لؤماء.