فَأَمَّا تَوْكِيلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْخُصُومَاتِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَمَعْلُومٌ، وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُ الْحَدِيثِ فِيهِ لِينٌ.
[أَوَّلًا] نَصُّ كَلامِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ الْمُطَّلِبِيِّ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنَ «كِتَابِ الأُمِّ» (7/ 120) : «وَأَقْبَلُ الْوَكَالَةَ مِنْ الْحَاضِرِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْعُذْرِ وَغَيْرِ الْعُذْرِ. وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكَّلَ عِنْدَ عُثْمَانَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ، فَقَبِلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَكَانَ يُوَكِّلُ قَبْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ , وَلاَ أَحْسَبُهُ إلا كَانَ يُوَكِّلُهُ عِنْدَ عُمَرَ بَعْنِي ابْنَ الْخَطَّابِ , وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًَا، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا» .
وَنَقَلَهُ بِنَصِّهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنَ «الْمُهَذَّبِ» ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي «مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ» قالَ: أَنْبَأَنِي بِذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِجَازَةً عن أَبِي الْعَبَّاسِ الأَصَمِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَهُ الإِمَامُ أبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنَ «الْحَاوِي الْكَبِيْرِ» .
قَالَ أبُو الْحَسَنِ: «قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَدْ وَكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَقِيلًا، وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا عَقِيلٌ مَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ، وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلا أَحْسَبُهُ كَانَ يُوَكِّلُهُ إِلاَّ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ، وَلَعَلَّهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَوَكَّلَ أَيْضًَا عَنْهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ، فَقَبِلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ».
ثُمَّ فَصَّلَهُ أبُو الْحَسَنِ، فَقَالَ: وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا، وَقَالَ: إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًَا، وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا، وَإِنِّي إِنْ حَضَرْتُ خِفْتُ أَنْ أَغْضَبَ، وَإِنْ غَضِبْتُ خِفْتُ أَلاَّ أَقُولَ حَقًَّا، وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ، وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلاَّ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ، حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ، فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًَا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ» .
[إِيْضَاحٌ وَبَيَانٌ] قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ «تَهْذِيبُ اللُّغَاتِ» (3/ 260) : قَوْلُهُ «إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًَا» فَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ بِالْمَهَالِكِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَهِيَ الْمَهَالِكُ كَمَا فَسَّرَهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَنَّهَا تَقْحَمُ بِصَاحِبِهَا عَلى مَا لا يُرِيدُهُ، وَاحِدَتُهَا قُحْمَةٌ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، كَرُكْبَةٍ وَرُكَبٍ.