وأخرجه أبو عبدالله الحاكم في المستدرك بسنده من طريق الوليد أيضًا، وقال: صحيح على شرط الشيخين ، فهذا الحديث استغربه الترمذي كما أعله أبو أحمد والحاكم فقال: إنه يشبه أحاديث القصاص ، وأعله من المتأخرين الحافظ ابن كثير في كتاب فضائل القرآن قال - بعد نقل كلام الترمذي والحاكم - ولا شك أن سنده من الوليد على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج، فالله أعلم، فإنه من البين غرابته بل نكارته .
ومن هذا الباب أيضًا حديث: (( في كل أرض آدم كآدمكم ) )وقد سبق الكلام عليه في المبحث السابق، ومن ذلك أيضًا أن يكون متن الحديث سمج المعنى أو مخالفًا للقرآن فيعلونه بذلك مثل ما ورد: (( عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمعة قُدس فيه سبعون نبيًا ) )فهذا أعله الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله فقال لما سئل عنه: أرفع شيء في العدس أنه شهوة اليهود ولو قدّس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء فكيف بسبعين نبيًا؟ وقد سماه الله (( أدنى ) )ونعى على من اختاره على المن والسلوى وجعله قرين الثوم البصل .
فانظر كيف أعلّ ابن المبارك هذا القول لسوء معناه ومخالفته لكتاب الله.
ونقد المتون عند المتقدمين بابه واسع وأمثلته كثيرة، وقد اعتنى به وألف فيه شيخنا الدكتور مسفر غرم الله الدميني في كتابه الرائع: (( مقاييس نقد متون السنة ) )فليراجع.
وبعد هذا فإنك تعجب أن تجد من المتأخرين من يصحح الأحاديث أو يحسنها مغفلًا هذا الجانب كما تراه كثيرًا عند السيوطي في كتابه اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، فمن ذلك أنه قال في حديث: (( إذا بعثتم بريدًا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم ) )قال: وهذا الحديث في معتقدي حسن صحيح وقد جمعت طرقه في جزء ، وأيضًا قد حسنه المناوي مع ما يظهر في متنه من نكارة بل إن الحافظ بن القيم أورده في المنار المنيف وقال: وفيه عمرو ابن راشد، قال ابن حبان: يضع الحديث، وذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات . وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط وفي إسناد الطبراني عمر بن راشد وثقه العجلي وضعفه جمهور الأئمة وبقيةرجاله ثقات، وطرق البزار ضعيفة. فمثل هذا كيف يصحح.
ووقع التساهل أيضًا من بعض من المعاصرين في هذا الباب، ولعلي أذكر لذلك من تصحيحات الشيخ المحدث الألباني تغمده الله برحمته، فرغم جهوده الضخمة في خدمة السنة وسمعت شيخنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز يثني عليه كثيرًا، إلا أنه رحمه الله يتساهل أحيانًا في التصحيح فقد صحح حديث: (( ولد الزنى شر الثلاثة ) )وحمل معنى الحديث على الرواية: (( إذا عمل بعمل أبويه ) )مع ضعف هذه الرواية حيث ضعفها الألباني نفسه وكان الأولى أن يحمل الحديث كما حمله الطحاوي وابن القيم على شخص بعينه وذلك لرواية الطحاوي والحاكم وهي: (( بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولد الزنى شر الثلاثة، فقالت: يرحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إجابة، لم يكن الحديث على هذا إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يعذرني من فلان؟ قيل يا رسول الله إنه مع ما به ولد زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هو شر الثلاثة ) )، والله يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى. صححه الحاكم على شرط مسلم وتعقبه الذهبي بأن فيه سلمة بن الفضل الأبرش لم يحتج به مسلم، وقد وثق وضعفه ابن راهويه، وقد ذكر هذا كله الألباني وضعف هذه الرواية ولم يحمل الحديث عليها بل قال بعمومه.
أقول: وحمل الحديث على هذه الرواية وهي ضعيفة أولى من حمله على رواية: (( إذا عمل بعمل أبويه ) )لأنها أشد ضعفًا منها، ففي أحد طرقها راوٍ متروك كما ذكر الألباني نفسه، ومما يؤيد نكارة معناه أن ابن عباس رضي الله عنه لما بلغه هذا الحديث قال: (( لو كان شر الثلاثة لما استؤني بأمه حتى تضعه ) )يعني الأحاديث الواردة بإمهال الحامل من الزنى حتى تضع وهي صحيحة.