قال المصنف رحمه الله: [الثاني: كن على جادة السلف الصالح: كن سلفيًا على الجادة طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم ممن قفا أثرهم، في جميع أبواب الدين: من التوحيد والعبادات ونحوها، متميزًا بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع] .
هذه الصفة هي: أن يعتني الإنسان بأن يكون سلفيًا، سنيًا، متابعًا لطريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن أشرنا أن هذه الأمة افترقت كغيرها من الأمم، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ستفترق هذه الأمة -يعني: المسلمين- على ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فلما سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .
فالفرقة الناجية هي ناجية من الاختلاف والتفرق، وناجية من الهلاك أيضًا، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعون لهم بإحسان، ومن سار على منهجهم وترك التفرق وأسباب التفرق، واشتغل باتباع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
إذًا فيجب على الإنسان أن يكون سنيًا، وهذا ليس مجال اختيار، فليس للإنسان أن يختار في أن يكون سلفيًا أو لا يكون، فالمنهج السلفي ليس مثل الآراء الفقهية، علمًا أن الآراء الفقهية أيضًا ليست مجال اختيار فيما يتعلق بالوجوب والتحريم، أما في قضايا الندب فالأولى أن يفعل وإن لم يفعل فلا تثريب عليه، ولكن ليس الإنسان مخيرًا في أن يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو ليس كذلك، بل يجب عليه أن يكون سنيًا وأن يكون سلفيًا.
والمقصود بالمنهج السلفي هنا: هو ما كان في كتاب الله، وما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم من أهل الاتباع، وليست السلفية أو المنهج السلفي هو آراء خاصة، فمع الأسف أنه يوجد في الدعوة الإسلامية أشخاص يتبنون مواقف من بعض العلماء، ويظنون أن من وافقهم فهو سلفي ومن خالفهم فليس كذلك، وهذا خطأ، فإن المنهج السلفي هو الالتزام بالقرآن والسنة في قضايا الاعتقاد وقضايا الأعمال ومناهج الاستدلال وما يتعلق بها.
وأما المواقف من الأشخاص فهذا مما يختلف فيه الناس، إلا إذا كان هذا الشخص رجلًا متفقًا على أنه من المبتدعة، وأمره ظاهر مشتهر ليس فيه خلاف ولا شك ولا شبهة، فإنه والحالة هذه لا شك أن من تبناه واتبعه وسار على طريقته فهو مثله على البدعة، والعياذ بالله.
لكن عندما يوجد شخص من الأشخاص وهو في جملته على أصول السنة، وهو بشر قد يخالف السنة في مسألة أو مسألتين، لكن أصوله جملته واستدلاله وطريقته ليست مثل طريقة المبتدعة، ثم يخالفه أشخاص، ثم يمتحنون الخلق على ذلك فمن وافقهم فهو سلفي، ومن خالفهم فليس بسلفي، فهذا خطأ وليس بمنهج صحيح ولا مستقيم.
لكن إذا كانت بدعته ظاهرة وبينة وليس فيها إشكال كـ الجهم بن صفوان، فإنه من وافق جهمًا وأحبه ووالاه فلا شك أنه ليس على السنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:[قال الذهبي رحمه الله تعالى: وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام، قلت: لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا.
انتهى].
علم الكلام من العلوم التي تناقش قضايا العقيدة في الإلهيات، وفي السمعيات كما يسمونها، وفي النبوات، أي: فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وبالألوهية وما يتعلق باليوم الآخر، والإيمان، والقدر.
فهذا العلم نشأ بسبب المجادلات بين طائفة من المسلمين مع الفلاسفة، فنشأ من خلال هذا الجدل علم سموه علم الكلام، وقد اختلف الناس في سبب تسميته بعلم الكلام، فقيل: لأنه كلام فارغ ليس هناك فائدة منه، وقيل: لأنه كلام ليس فيه استدلال، وقيل: لأنه يعتمد على مجرد الكلام وليس فيه عمل، وقيل: لأن أول مسألة ناقشها هي مسألة الكلام.
وهو علم اتفق علماء الإسلام على ذمه، لأنه جاء بمصطلحات جديدة لم تكن معروفة سابقًا مثل الجوهر، والعرض، والتحيز، والجهة، والجسم، والمركب ونحو ذلك، ولكونه يتضمن معاني باطلة مخالفة لأصول السنة في باب الأسماء والصفات والقدر ونحو ذلك.
وعلماء الكلام هم المعطلة، وهم الجبرية، وهم القدرية، وهم المرجئة، وهم الذين خالفوا السنة في أبواب كثيرة من أبواب العقيدة، وهم الذين نناقشهم كثيرًا في هذه الدروس.
فهذا علم فاسد ينبغي للإنسان أن يبتعد عنه، وأن يكون سلفيًا على الجادة بعيدًا عن الاختلاط بهذه العلوم المذمومة.