قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى:[الفصل الخامس آداب الطالب في حياته العلمية.
الأدب الرابع والعشرون: كبر الهمة في العلم.
من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور، والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل والهوان: التملق والمداهنة.
فكبير الهمة ثابت الجأش لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد تغلق فمه الفهاهة.
ولا تغلط فتخلط بين كبر الهمة والكبر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء.
فيا طالب العلم! ارسم لنفسك كبر الهمة ولا تنفلت منه، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك لتكون دائمًا على يقظة من اغتنامها، ومنها إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالًا، وعلى هذا فقس والله أعلم].
هذا الموضوع سبق أن أشرنا إليه وقلنا: إن طالب العلم ينبغي أن تكون له همة كبيرة وعالية، والهمة غريزة نفسية منها ما يعود إلى وراثة الإنسان وأصل خلقته وطبيعته، ومنها ما يعود إلى التجربة والتدرب، وقراءة أخبار الأولين لا سيما الصحابة والتابعين والأولياء الصالحين، فإن التدرب على كبر الهمة منه ما هو جبلي طبعي، ومنه ما هو مكتسب يمكن للإنسان أن يكتسبه وأن يتدرب عليه.
وشأن كبر الهمة كشأن بقية الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يدرب نفسه، وأن تكون نفسه عالية في طلبه للعلم، وفي أخلاقه وآدابه، وفي دعوته إلى الله عز وجل، وفي إصلاحه، فإن الإنسان قد يوفقه الله سبحانه وتعالى إذا جد واجتهد، فيكون له من التأثير في الإصلاح وتوجيه الأمة الشيء الكثير.
وكثير من الناس يستحقر نفسه، والتواضع مطلوب، ولكن ينبغي على الإنسان أن لا يدفعه هذا التواضع إلى أن يكون ضعيف الهمة، ييأس من الوصول إلى درجات عالية في العلم والعمل والدعوة والإصلاح، فينبغي للمسلم ولطالب العلم خصوصًا أن يجتهد في تنمية همته، ومع علو همته ينبغي أن يكون متأدبًا بالتواضع والرفق، ولهذا أشار الشيخ إشارة مهمة جدًا إلى التفريق بين كبر الهمة والكبر، فإن الكبر واحتقار الخلق وازدراءهم والنظرة الدونية إلى الآخرين، والشعور بالفوقية على الناس ليس من كبر الهمة، بل هو من الكبر، وهي خصلة ضعيفة تدل على الشعور بالنقص، فينبغي للإنسان أن يميز بين هاتين الخصلتين، فكبر الهمة وصف نفسي وغريزي يكون في الإنسان يدفعه إلى العمل، والترقي في مراتب عالية جدًا في العلم والعبادة والأدب والخلق والدعوة والإصلاح ونحو ذلك، والكبر هو شعور فارغ لا قيمة له يدفع الإنسان إلى احتقار الآخرين، والنظر إليهم على أنهم أقل منه مستوى، وأنه فريد زمانه ووحيد دهره، وأن الناس أضاعوه وأي فتى أضاعوا، وهذا لا شك أنه دليل على الشعور بالنقص.
فالتوفيق بين كبر الهمة وبين الأدب واضح، فكبر الهمة شعور نفسي يدفع الإنسان للعمل، أما أن يكون الإنسان متكبرًا وهو كسلان في العمل، فهذا لا شك أنه هو الذي حذر منه الشرع، فالشرع لم يرغب في أن يكون الإنسان كبير الهمة بمعنى أنه ينظر إلى الآخرين على أنهم أقل منه، أو أنه نوعية مختلفة عن الآخرين، فالنظر إلى الذات منهي عنه، ولا يصح للإنسان أن يكون عنده شهود لذاته، بحيث إنه ينظر إلى ذاته ويعظم نفسه ويكبر نفسه، وهذا مذموم ومحتقر وليس مطلوبًا، بل هو أمر سيئ للغاية يؤثر على أخلاق الإنسان وآدابه ودينه، لكن كبر الهمة هي التي تدفع إلى العمل.
وإذا أردت أن تعرف هل أنت كبير الهمة أو لست كبير الهمة فانظر إلى عملك، ولا تنظر إلى نفسك ومدى شعورها بالفوقية على الخلق، فهذا من الكبر المذموم، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه، فينبغي الحرص على هذه القضية، والتأمل فيها.
كان للسلف الصالح رضوان الله عليهم أعمال عظيمة تدل على أنهم كبار فعلًا، ومع هذا كانوا يتحلون بالتواضع وبالأدب، وكانوا يحسنون التعامل مع الخلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أكبر الناس همة- تأخذه الجارية وتنطلق به حيث شاءت ليقضي لها غرضها، ولهذا ينبغي أن نعتني بالجمع بين الأخلاق، وأن لا نأخذ بطرف ونسميه بغير اسمه، ثم يكون هذا والعياذ بالله موقعًا للإنسان في الخطأ والخطل والزلل.