قال رحمه الله: [الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب؟ قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه] .
بالنسبة لقوله: (فأول ما خلق الله القلم) هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح.
وقوله (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن لصيبه) أيضًا جزء من حديث عبادة بن الصامت وهو حديث صحيح.
قال رحمه الله: [جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70] .
وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] .
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا].
لو رجعتم إلى بعض كتب العقيدة الأخرى تجدون أنهم يأتون بصفة الكتابة ويقسمونها.
يقولون: الكتابة العامة: وهي كتابة كل شيء من أحوال العباد وغيرها في اللوح المحفوظ.
ثم الكتابة العمرية الواردة في حديث ابن مسعود عندما يأتي الملك وينفخ في الجنين الروح ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
ثم الكتابة الحولية: وهي التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر، {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4] .
وأيضًا هناك التقدير اليومي {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] .
فهذه أنواع الكتابة عبر عنها الشيخ بقوله: (في مواضع جملة وتفصيلًا) .
يعني: أحيانًا تكون جملة، وأحيانًا تكون تفصيلية.
وهذه المقادير بعضها يتعلق بما في كتب الملائكة، وبعضها يتعلق بما هو في اللوح المحفوظ، ولهذا في مسألة المحو والإثبات {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39] ، من أوجه الفهم في المحو والإثبات: أنه يكون في كتب الملائكة؛ لأن الملائكة تكتب أحوال العبد؛ لأنها هي التي تنفذ ما أمرها الله عز وجل به في حياة الإنسان.
قال رحمه الله: [وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل] .
نص الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح على أن غلاة القدرية انقرضوا، لكن يبدو من كلام شيخ الإسلام في قوله: (ومنكروه اليوم قليل) أنه يوجد بعضهم لكنهم قليل، ولعله إن وجد يوجد عند غلاة الفلاسفة، سواء فلاسفة الصوفية أو فلاسفة الجهمية.