وهذا الإجماع يتضمن حفظ القرآن من الزيادة والنقصان والتبديل، فقد تكفل الله - عز وجل - بحفظ هذا الكتاب { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } (1) فإن قال قائل بأنه هناك القراءة الشاذة قد تكون في القرآن!
قيل: هذه القراءة الشاذة ليست قرآنا باتفاق، وإنما نقلها الصحابي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن النبي تكلم بكلمة على جهة التفسير في أثناء قراءته فظن الصحابي أن هذا التفسير من القرآن فنقله على أنه قرآن، فلما قارنا قراءة هذا الصحابي بقراءة غيره تبين لنا أن هذه الزيادة ليست من القرآن، فكانت شاذة.
ومن المعلوم عندكم أن الشاذ: هو ما رواه الثقة مخالفا به جمع الثقاة أو من هو أوثق منه، وقد ورد عن أُبي - رضي الله عنه - أنه جعل دعاء القنوت"اللهم إنا نستعينك"سورتين من سور القرآن، وهذا بمثابة القراءة الشاذة فلا يعول عليه؛ فإن أُبيا - رضي الله عنه - سمع هذا الدعاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعه يكرره فظنه قرآنا، وقد وقع الاتفاق بعد ذلك العصر على أن هاتين الدعوتين ليستا من القرآن في شيء.
وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - لا يذكر سورتي المعوذتين في كتابته للمصحف، وهذا أيضا لا يخرم الإجماع فإن الإجماع حاصل بعد ذلك العصر.
وقد ورد عن بعض السلف إدخال سورة في سورة كما ورد عن بعضهم أن براءة والأنفال سورة واحدة، وقيل: الفيل وقريش كذلك، وقيل: الضحى والانشراح كذلك، لكن الإجماع القطعي وقع بعد ذلك العصر على أن القرآن هو الموجود بين دُفتي المصحف بمائة وأربع عشرة سورة.
وهذا الإجماع إجماع قطعي نجزم بخطأ مخالفه، لكن هل نؤثم المخالف أو لا نؤثمه؟ وهذه قاعدة مهمة في حكم المخطئ في القطعيات، هل يأثم أو لا يأثم؟
(1) - سورة الحجر آية: 9.