فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5472 من 53113

أما فرقة الأسينيين التي اهتم بها المؤرخون القدماء، أمثال بلين وصولينو ويوسيفوس، فقد تمسكوا بالتوراة المكتوبة والتوراة الشفهية (التلمود) وحققوا نوعا من شيوعية الأملاك، ومالوا إلى حياة الزهد.

وإلى الصدوقيين والفريسيين توجه يوحنا المعمدان قائلًا:

>يا أولاد الأفاعي، من عَلَّمَكُمْ أن تهربوا من الغضب الآتي. أَثْمِرُوا ثمرًا يبرهن على توبتكم، ولا تقولوا لأنفسكم إن أبانا هو إبراهيم. أقول لكم: إن الله قادر أن يجعل من هذه الحجارة أبناءً لإبراهيم، ها هي الفأس على أصول الشجر، فكل شجرة لا تعطي ثمرًا جيدًا تقطع وترمى في النار< (31) .

ومن هنا نقول إن زمن بعثة رسول الله عيسى ابن مريم إلى قومه، بني إسرائيل، كان زمنًا استدعى رسالة وبيانًا وإرشادًا، فكان أن أنزل الله عليه الإنجيل، بعد أن أشهدهم من قبل معجزة ميلاده من غير أب.

لقد عاش المسيح عيسى، عليه السلام، في أرض فلسطين في زمن خضعت فيه هذه الأرض المباركة للحكم الروماني. ورغم التغيير الذي أحدثته بعثته، عليه السلام، في الخريطة الدينية للشرق الأوسط في ذلك العصر، فإن تفاصيل حياته قليلة الورود في المصادر المعاصرة له، باستثناء حدث ميلاده المعجز وفترة صدوعه بالرسالة. ولم تهتم المصادر المسيحية بمرحلة شبابه، اللهم تلك الإشارة الخاطفة إلى أنه كان يعمل نَجَّارًا في الناصرة (32) .

وعلى كثرة ما أُلِّفَ حول عيسى، عليه السلام، فإن كثيرًا من حلقات سيرته بقيت مفقودة. لقد انصرفت أغلب سير حياته إلى الاهتمام بالقضايا العقدية الكنسية، سواء بتأكيدها أو بنفيها، أكثر من الاهتمام بشخصه، عليه السلام (33) .

وينبغي الإشارة هنا إلى أن جانبًا مما أُلِّفَ قد شكك في كل شيء، حتى في بعثة المسيح نفسه، عليه السلام (34) .

مصادر سيرة المسيح، عليه الصلاة والسلام

وتنقسم المصادر التي تطرقت إلى حياة عيسى ابن مريم، عليه السلام، إلى قسمين اثنين:

القسم الأول: المصادر المسيحية:

وبصفة خاصة الأناجيل المتوافقة: متى، ولوقا، ومرقس. فقد عرضت هذه المصادر لحياة المسيح عيسى ابن مريم زمن البشارة، مع إشارة إلى ميلاده المعجز. وأغفلت إغفالًا يكاد يكون تامًا حياته في مصر، وعودته من أرض مصر بعد وفاة هيرودس، وحتى تبليغ الرسالة. وما عرض في هذه الأناجيل المتوافقة خضع للتطويع ليلائم اعتقادات الكنيسة الأولى والمجامع المتتالية التي خطت النهج العقدي للمسيحية، ومطت الروايات تبعًا لتطور اعتقاد المسيحيين في عيسى، عليه السلام.

القسم الثاني: المصادر غير المسيحية:

وهي تنقسم بدورها إلى قسمين:

أ) مصادر رومانية غير مسيحية: أشارت تلك المصادر إلى عيسى، عليه السلام، كشخصية من الشخصيات المؤثرة في عصرها، وكطرف في الأحداث التي عرفتها فلسطين تحت حكم الإمبراطور الروماني تيبيريوس وولاية بيلاطس. وعمدت هذه المصادر إلى التعريف به كلما تحدثت عن"المسيحية"أو عن تصرفات أتباعه، أتباع كريستوس Christus أو Chrestos. يقول بلين الأصغر (عاش حوالي 110م) في الرسالة العاشرة ما معناه:

كان المسيحيون يلتقون في أوقات محددة من كل يوم قبل الفجر، يرددون أناشيد للمسيح كما لو كانت موجهة إلى الله، ويذكرون أنفسهم بالموت ... (35) .

إن ما كتبه بلين الأصغر هو استشارة لتراخان Trajan عن الأسلوب الذي ينبغي أن تتم به معاملة المسيحيين أتباع المسيح.

أما المؤرخ الروماني تاسيتس Tacitus فقد أشار في حولياته إلى ملاحقات الإمبراطور نيرون للمسيحيين. وهو في نفس السياق يردد أن المسيحيين هم أتباع المسيح الذي تمت معاقبته بشدة من طرف الحاكم بيلاطس في طبرية (36) .

وهذه المصادر لم تهتم بتفاصيل الديانة التي دعا إليها المسيح عيسى، عليه السلام، ولم تول كبيرعناية للإصلاحات التي رام إحداثها في الشريعة الموسوية، بل اهتمت بذكره كطارئ سياسي جديد، طرح معادلة جديدة في منطقة حيوية بالنسبة للإمبراطورية الرومانية. وحتى في حديثها عنه لم تضعه في مرتبة الثوار الذين دعوا إلى الخروج عن إمرة الإمبراطورية الرومانية والذين شَقُّوا عصا الطاعة ضد القيصر، من أمثال يوغرطة. لقد أكدت هذه المصادر الرومانية على تنامي عدد المسيحيين وانتشارهم في كل مدن الإمبراطورية، بشكل يوحي بأنهم فصيل جديد في المجتمع الروماني.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت