لما قدمت المملكة سنة 1382 هـ أقمت سنة في الرياض (ثم جئت مكة فلبثت فيها إلى الآن) ، وكان معنا فيها رجل من الشام لا أسميه، كان مقيمًا في الرياض هو وأمه، فعرض له عمل اقتضى سفره إلى لبنان. وكرهت أمه هذا السفر لئلا تبقى وحدها فلما حلّ موعده حمل ثقله (أي حقائبه وأشياءه) إلى المطار، فسلمه إلى الشركة وذهب إلى بيته على أن يأتي الفجر ليسافر. ورجا أمه أن توقظه قبيل الفجر، فلم توقظه حتى بقي لموعد قيام الطيارة ثلاثة أرباع الساعة، فقام مسرعًا وأخذ سيارة وحث السائق على أن يبلغ به المطار ويضاعف له الأجر، وجعل يدعو الله أن يلحق بالطيارة قبل أن تطير. ولما وصل وجد أنه لا يزال بينه وبين الموعد ربع ساعة، فدخل المقصف وقعد على الكرسي فنام، ونودي من المكبر على ركاب الطائرة أن يذهبوا إليها فلم يسمع هذا النداء، وما صحا حتى كانت الطيارة قد علت في الجو! وكنت معه، فجعل يعجب كيف دعا الله بهذا الإخلاص دعاء المضطر ولم يستجب له. وجعلت أهون الأمر عليه وأقول له: إن الله لا يرد دعوة داع مخلص مضطر أبدًا، ولكن الإنسان يدعو بالشر دعاءه بالخير، والله أعلم بمصلحته منه.
وأهمه الغضب والحزن عن إدراك ما أقوله. أفتدرون ماذا كانت خاتمة هذه القصة؟ لعل منكم من يذكر طيّارة شركة الشرق الأوسط التي سقطت تلك السنة وهلك من كان فيها. هذه هي الطيارة التي حزن على أنها فاتته!
إن الإنسان قد يطلب من الله ما يضره، ولكن الله أرحم به من نفسه. وإذا كان الأب يأخذ ولده الصغير إلى السوق فيرى اللعبة فيقول: أريدها، فيشتريها له، ويبصر الفاكهة الجملية فيوصله إليها، ويطلب الشكلاطة فيشتري له ما يطلبه منها، فإذا مر على الصيدلية ورأى الدواء الملفوف بالورقة الحمراء فأعجبه لونه فطلبه، هل يشتريه له وهو يعلم أنه يضره؟ إذا كان الأب وهو أعرف بمصلحة ولده لا يعطيه كل ما يطلب لأنه قد يطلب ما لا يفيده، فالله أرحم بالعباد من آبائهم ومن أمهاتهم.
وقد وقع لي مرة أن دعانا كبير أسرتنا، الدكتور طاهر الطنطاوي الذي توفي من زمن بعيد رحمة الله عليه، إلى جمع في بيته يضم أفراد الأسرة جميعًا، وأعد لهم مائدة وضع فيها كل ما يلذ ويطيب وهيأ لهم كل ما يسرهم ويرضيهم. وذهبت إلى الاجتماع وكنت منشرح الصدر، فما لبثت فيه إلا نصف ساعة حتى ضاق صدري وأحسست كأن دافعًا يدفعني إلى الخروج وأنني إن بقيت اختنقت.
واستأذنت بالانصراف فعجبوا مني، وكنت أعجب من نفسي ولا أعرف سببًا لهذا الذي حل بي. وفسد الاجتماع وضاع ما كانوا يتوقعونه من المسرة والانبساط وألقوا اللوم عليّ، وأنا أعذرهم ولا أدري لما فعلت سببًا. وكانت داره في سفح جبل قاسيون في منطقة اسمها حي العفيف، وخرجت، ومرّ بي الترام وكان فارغًا، وهممت بأن أصعد إليه، ثم أحسست كأن يدًا قوية تصدني عنه وتمنعني من ركوبه، فمشيت على رجلي ولا أعرف إلى أين أنا ذاهب.
وثقوا أني أصف لكم ما وقع كأنه وقع بالأمس، وقد مرّ عليه الآن أكثر من ثلاثين سنة. ما مشيت إلا قليلًا، وكان الطريق مقفرًا والليل ساكنًا، فوجدت امرأة تحمل ولدًا وتسحب بيدها ولدًا، وهي تنشج وتبكي وتدعو دعاءً خافتًا لم أتبينه. فاقتربت منها وسألتها: ما لك يا أختي؟ فنفرت مني وحسبتني أبتغي السوء بها. ونظرت إليّ، فلما رأت أنني كهل وأنه لا يبدو عليّ ما تخشاه نفضت لي صدرها وشرحت لي أمرها، وإذا قصتها أنها من حلب وأن زوجها يعمل موظفًا في دمشق، وأنه طردها من بيته وهي لاتعرف أين تذهب، وما لها إلا خال لاتستطيع الوصول إلى مكانه.
فقلت لها: أنا أوصلك إلى بيت خالك، واذهبي من الغد إلى المحكمة فارفعي شكواك إلى القاضي. فازداد بكاؤها وقالت: وكيف لي بالوصول إلى القاضي وأنا امرأة مسكينة، والقاضي لا يستقبل مثلي ولا يستمع إليه؟
وكنت أنا يومئذ قاضي دمشق، فقلت لها: لقد استجاب الله دعاءك يا امرأة لأنك مظلومة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأنا القاضي، وقد استخرجني الله من بين أهلي وجاء بي إليك لأقضي إن شاء الله حاجتك، وهذه بطاقتي تذهبين بها غدًا إلى المحكمة فتلقينني.
بقية مواقف هذه الفائدة تأتي تباعًا.
ـ [فهد الجريوي] ــــــــ [15 Apr 2010, 05:15 م] ـ
(يُتْبَعُ)