ويرى الدكتور الترابي أن علم الأصول لم يعد، بصورته الموروثة، مناسبًا للوفاء بحاجاتنا المعاصرة حق الوفاء، لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وبطبيعة القضايا التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي. ويخلص الترابي إلى أن هذا العلم قد آل به الحال -بعد نهضة حميدة- إلى الجمود العقيم، بحيث أصبح معلوماتٍ لا تهدي إلى فقه ولا تولد فكرًا، وإنما غدا الأمر نظرًا مجردًا موغلًا في التشعيب والتعقيد بغير طائل.
وجملة القول إن التحديد في علم الأصول ضرورة دينية، وأن الدعوة إلى هذا التجديد تستند إلى مبدأ صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في كل عصر. ومن ثم لا تعني هذه الدعوة خروجًا عن كل ما كتبه السلف في هذا العلم، فمنه ما لا يقبل التطور، فيؤخذ به ويعول عليه، ومنه ما جاء عن نظر واجتهاد، ولا أحد يستطيع أن يدعي وجوب متابعة أي مجتهد فيما أداه إليه اجتهاده فقط، فإن ذلك أقصى ما يقال فيه: إنه رأي والرأي مشترك42.
ولا تقتصر الدعوة إلى التجديد على إعادة النظر فيما هو محل نزاع بين العلماء من الأدلة أو المبادئ اللغوية، وإنما تشمل، فضلًا عن ذلك، النظر في تحديد ما يعد في علم الأصول وما لا يعد منه، وفقًا للغاية من هذا العلم، وسعيًا لتوجيه وجهة واقعية، فلا تطغى عليه المناقشات الجدلية العقيمة، أو الاهتمام بحركة الحياة المعاصرة حتى يتسع مجال الأصول لبناء نهضة شاملة تقود الأمة إلى أن تتبوأ منزلة الريادة والشهادة التي أنزلها الله إياها، فتكون بحق خير أمة أخرجت للناس.
مجالات التجديد في علم الأصول:
إذا كان ما هو ظني أو محل نزاع بين العلماء يجوز الاجتهاد فيه، فالمسائل الأصولية الظنية أولى بالاجتهاد، لأنها تتعلق بمنهج البحث في الفقه، والمناهج العلمية لا تعرف الجمود والتحجر، وإنما سمتها التطور والتجدد، وتساوقًا مع تطور المعارف ونمو الثقافات، وتجدد ضرورات الحياة وأوضاعها.
وإذا كان علم الأصول، كما وصل إلينا لم يعد مناسبًا للوفاء وفاءً تامًا بما تحتاجه الأمة في حاضرها كي تبني نهضة شاملة، فإن الاجتهاد في هذا العلم لتجديده وتطويره وفقًا لأسس وقواعد لا تخرج على القطعيات أصبح ضرورة إسلامية بلا مراء.
ويشمل مثل هذا التجديد في علم الأصول عدة قضايا يمكن حصرها فيما يلي:
أولًا: إلغاء ما ليس من علم الأصول.
ثانيًا: تدريس المقاصد الشرعية بصورة وافية.
ثالثًا: تطوير مفاهيم بعض الأدلة.
رابعًا: ربط القواعد بالفروع التطبيقية ما أمكن.
إن الفقه كما هو معروف يتعامل مع الواقع البشري، من خلال استنباط الأحكام التي تضبط السلوك العملي للإنسان بشقيه: العبادات والمعاملات. ومن ثم ليس من مهمة الفقه بهذا المعنى أن يبحث في أحكام العقيدة أو الأحكام الخلقية، وإن كانت هذه الدوائر الثلاث للأحكام تشكل وحدة عضوية متكاملة تطبع شخصية الإنسان بطابع متميز في الاعتقاد والعمل والسلوك.
وما دام الفقه يتعامل مع الواقع البشري، فإن منهج البحث في الفقه أو علم الأصول ينبغي أن يكون في خدمة هذا الواقع بمكوناته وخصوصياته وتفاعلاته وحاجاته. وهكذا فهدف هذا العلم هو العمل، ولذا لا يعد منه ما لا علاقة له بالعمل أو الواقع. ولعل الشاطبي هو أول من نبه إلى ضرورة تحديد ما يكون من علم الأصول، وما لا يكون منه، وفقًا لموضوعه، فقد قال في المقدمة الرابعة من مقدمات الموافقات:"كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له، ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انبنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه، وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من أصول الفقه، كعلم النحو واللغة والاشتقاق والتصريف والمعاني والبيان والعدد والمساحة والحديث، وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه وينبني عليها من مسائله، وليس كذلك، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يعد من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فليس بأصل له."43
(يُتْبَعُ)