ما أريد هو النظم بذاته عند عبقري البلاغة الجرجاني فقط، ونظريته التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وسبقت عصرها، وأحببت أن أوسع مداركي أولًا لأني أهوى الغوص في الدلالات النحوية وهي صلب هذه النظرية.
ومما زاد الطين بله أنني لم أجد دراسات متخصصة ضافية لما أردت بل القوائم التي استطعت أن أجمعها خليط مقالات سابقة، وما علق في الذهن دراستي في كلية اللغة العربية ولا أنس كتابي الجرجاني الدلائل والأسرار.
أولًا / النظم: تعليق الكم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب بعض (1) قال شوقي ضيف _رحمه الله_ أنها توخي المعاني النحوية في الكلام وربط العربية بعضها ببعض (2)
ثانيًا/ أول من تكلم بها ربما يكون أرسطو في كتابه فن الشعر (3) كما تحدث عنها الجاحظ وابن المقفع بعد ذلك ولم يتفطن إليها بأبعادها وأسرارها الواسعة آن ذاك سوى الجرجاني.
ثالثًا / منشؤها:جاءت لمتطلبات إعجاز القران العظيم حتى أن بعض العلماء ربط إعجاز القرآن بالنظم كما فعل الجرجاني.
رابعًا / أنها تتصل اتصالًا وثيقًا بالتقديم والتأخير ودلالاته وهذا سر تميزها فمثلًا إن جاء زيد من الناس لا يهمك مجيؤه فتقول:جاء زيد وإن كان يهمك كالقادم من السفر مثلًا فتبدأ به وتقول زيد قادم هذا من حيث الأهمية، وربما يقدم لأغراض أخرى المهم أنه لا يجعل التقديم والتأخير اعتباطيًا بل له دلالاته.
خامسًا / أنها تهتم بالتصريف فكل تصريف له دلالته فـ (انطلق) غير (منطلق) فالأولى تفيد الاستمرار والثانية تفيد الثبات.
سادسًا/ لا ينتهي الجرجاني عند هذه النقطة، بل يبحث في المفهوم الدلالي الذي تقتضيه فصاحة المخاطب سابقه أو لاحقه رفعًا ونصبًا وجرًا فالرفع بعد الفعل يدل على الفاعل والفاعل يدل على من عمل الفعل ومن ذلك تستطيع أن تقرب هذه القواعد إلى أذهاننا (4) .
بعد ذلك أتعجب كلما قرأت له وهو يغوص في الآية القرآنية أو البيت من الشعر ثم تحس أنك أمام شخص يدرك لغته ويدرك ما يقرأ وأبعاد ما يقرأ ولعلي أقف على مثال واحد وهو قراءته لبيت أبي تمام (5)
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأرى (6) الجنى اشتارته (7) أيد عواسل
يقول رحمه الله: (أن لعاب الأفاعي مبتدأ ولعابه خبر كما يوهمه الظاهر، أفسدت عليه كلامه وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك أن الغرض أن يشبه مداده بأرى الجنى على معنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقه عندها، وادخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يكون إذا كان لعابه مبتدأ ولعاب الأفاعي خبرًا) (8)
هذه الدقة المتناهية في التدقيق الدلالي في القراءة السابقة يوضح عمقًا، وتقصيًا عجيبًا، يجعلنا نحترم هذه اللغة من جهة، وهذا العالم من جهة أخرى.
ينتج من كلامي السابق أن النظرية تتعلق تعلقًا وثيقًا بالنحو، بل هي النحو ببعده الأعمق، فعندما يحدد النحوي الفعل والفاعل يأتي دور البليغ ليحدد الرتبة ودورها في المعاني والسفر وراء الدلالات النحوية والأغراض
أخيرًا لم أكن لأضيف شيئًا في مقالي هذا بل أردت أن أنقل هذا العمق الدلالي بأسلوب مبسط وأمثلة قريبة من الواقع الحي ثم لتدرك أخي أن الجرجاني أراد في (النظم) أن ندقق في البنية اللغوية وأن ندرك أسرارها ونعي كل حركاتها لندرك سر إعجاز القرآن و سر عربيتنا وهذا الكلام ثري لأنه سينقلنا إلى لغتنا بأسلوب مبسط نتفهمه ونفهمه أجيالنا وهذا الكلام أيضًا كما قلت قد سبق عصره لدقته وشموله وثراءه.
بقلم / ياسر عاشق البيان
كلية اللغة العربية
الحواشي
1 -عبد القاهر الجرجاني بلاغته ونقده للدكتور: أحمد مطلوب
2 -البلاغة تطور وتأريخ للدكتور شوقي ضيف
3_ أرسطو شاعر وناقد يوناني قبل الميلاد وفن الشعر كتابه الذي جمع بت آراؤه
4 -مقالات في الشبكة
5 -حبيب بن أوس الطائي شاعر عباسي يهتم بالمعنى وهذا سر اهتمام الجرجاني به
6 -الأرى العسل
7 -أي لزق فيها
8 -دلائل الأعجاز لعبد القاهر الجرجاني
وأيضًا استفن من:
البحث البلاغي للدكتورة عائشة فريد
أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني
ـ [ياسر الدوسري] ــــــــ [18 - 04 - 2006, 11:27 م] ـ
الرابط يثري الموضوع
ـ [أبو حاتم] ــــــــ [28 - 05 - 2006, 08:56 م] ـ
أتابع الموضوع بشغف
هناك الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى
الأستاذ بجامعة أم القرى الرجل ضليع جدا وومن اهتم بكلام عبد القاهر بل ربما يكشف كثيرا من الأسرار وينفض غبارا عن آخر له وقفات عديدة تنم عن استحضار واع وتحليل رائع أنصحك أن يتيسر لك فرصة الاحتكاك به.
ـ [عنقود الزواهر] ــــــــ [04 - 06 - 2006, 06:04 ص] ـ
هل طالعت كتاب"نظرية النظم عند الشيخ عبد القاهر الجرجاني"؟
ـ [أرجوحة] ــــــــ [20 - 08 - 2007, 07:09 ص] ـ
استفدت كثيرا هنا
فقط سؤال
مصطلح النظم يرد لمعان عدة
فقد يراد به نظم الجرجاني وقد يراد به نظم الشعر
عندما أقرأ في الكتب القديمة تمر أحيانا جملة عابرة بها لفظة (نظم) فأقع في إشكال كيف لي معرفة أي نظم يقصده المؤلف خاصة وإن كانت الجملة تحتمل المعنيين؟
قد يكون سؤالا ساذجا ولكن استحملوني مازلت أحبو ( ops
(يُتْبَعُ)