وصلا عند آخر رجل كان في الطابور الطويل وما إن رآهما وسط الظلام حتى أطرق برأسه .. ثم لمحهما الثاني وأشاح بوجهه مثل الأول .. ثم فعل الثالث مثل الثاني .. ثم بدأت ملامح وجه غيوم تتبدل سريعًا، ودقات قلبها ربما توقفت للحظات قبل أن تعاود الضخ من جديد بقوة وعنف
أكثر من ذي قبل!!
لم تعد تعي نفسها بعد ذلك غير خطواتها التي كانت بالكاد تحملها.
كل الذي كانت تذكره؛ أنها تتبعت تعرجات الطابور الطويل وسط الحي حتى انتهى بها إلى باب بيتهم تمامًا!!
كل الذي تذكره؛ أن عددًا من نساء الحي قابلنها عند حلق الباب وحاولن بقوة التصدي لاندفاعها الثائر وكبت صرختها ..
وقد تيبست شفتاها ..
وجف حلقها ..
وتورمت عيناها من احتباس الدم!!
كل الذي تذكره ....
أنها قد تحولت إلى وحش هائج. وراحت تدفع بيديها العاريتين كل مخلوق يحاول تهدئتها أو اعتراض طريقها ..
كل الذي تذكره .. ..
أنها كانت تصرخ في حالة هستيرية بحثًا عن وجه تحبه كثيرًا وتحن إليه لم تره بعد .. رأت كل الوجوه تقريبًا إلا ذلك الوجه الدافئ ..
اخترقت الجموع المتراصة داخل البيت الصغير كصخرة تهادت على الأرض، ثم التقطت علبة الدواء من على رف المطبخ وراحت دون شعور تلتف حول نفسها داخل المطبخ تبحث عن شيء لا تدري ما هو!! لقد فقدت تركيزها تمامًا ..
سارت خطوات داخل فناء البيت ..
ثم عادت إلى المطبخ وحملت بيدها جرة الماء واندفعت ثانية باتجاه غرفة أمها في صراع نفسي رهيب مع الحدث، وفي موقف لم يكن في الوجود موقف ٌ أصعب منه .. ولا أقسى.
دفعت باب غرفة أمها برجلها تريد إعطاء أمها الدواء قبل فوات الأوان ثم تتفرغ بعد ذلك لمعرفة سبب تجمع هؤلاء الناس!!
لقد تأخرت عن موعد الدواء ساعتين تقريبًا ..
يا الله .. لو أنها لم تذهب باتجاه الكوخ .. أو لو أنها لم تتأخر كثيرًا هناك!!
دخلت الغرفة ولم يكن قد تبقى في الجرة غير بقايا من ماء في قعرها!!
لقد تناثر الماء في الطريق هنا وهناك نتيجة ارتجاف يديها بشكل رهيب ..
لم تقو أبدًا على تهدئة نفسها الثائرة ..
ولا السيطرة على أعصابها المنهارة ...
بل، ولم تقو حتى على ضبط دقات قلبها المرتجف وسط تجاويف صدرها الذي بات يهتز.
ثم انكبت على طرف فراش أمها كالمعتاد وسط صيحات مكتومة من النسوة اللائي حولها وهن يرين الموقف ..
كانت غيوم في حالة من التخدير الكامل وكأنها في حلم طويل وكئيب، أو تحت تأثير مخدر من النوع القوي لا تريد أبدأً اكتشاف مايجري حولها، ثم كشفت الغطاء عن جسم أمها المسجى على الفراش وقد بردت أطرافه ..
وراحت ترفع رأس أمها بين يديها كالمعتاد وتحشر في فمها المطبق حبة الدواء الأخيرة وتسكب ما تبقى من الماء داخل الجرة ويداها لا تكاد تسيطر عليهما من شدة ارتجافهما ...
وهي تردد بصوت خافت مخنوق:"أمي .. أمي"
أمي هاكِ حبة الدواء ..
هيا افتحي فمك قليلًا أرجوكِ ..
لقد تأخرت عنك قليلًا أعرف ذلك لكن ....
أعدك ألا أتأخر ثانيةً ...
أمي
أمي!!!!!!!""
ثم أطلقت في الهواء صرخة مدوية عالية أيقظت الطيور في عمق الغابة البعيدة في أطراف الجزيرة. ثم غابت عن الوعي.
ـ [الحب خطر] ــــــــ [13 - 01 - 2005, 11:37 ص] ـ
× × × الفصل الأخير × × ×
هناك حول الكوخ، كانت صبيتان تتطاردان ببراءة وعبث بريء، تحاول كل واحدة منهما الإمساك بالأخرى ثم تضع على رأسها حفنة من تراب نظيف ثم تهرب لتختفي خلف الظلام
والأخرى تصيح وتولول، ولا تشعران أنهما قد ابتعدتا قليلًا من أمام الكوخ إلا حينما ينهرهما السيد حمدان - والد كريم - ويأمرهما باللعب على مرمى من ناظريه ويكرر تأكيده في كل مرة ألا يربكا البحارة وهم يستعدون بهمة ونشاط في ترحيل أغراضهم إلى القارب من جديد استعدادًا للانطلاق ..
أصدر السيد حمدان أوامره فجأة بضرورة العودة مع أولى ساعات صباح الغد، فقد انتهت مهمتهم التي جاؤوا من أجلها وتوجب رحيلهم.
بينما كان كريم يتحدث مع والده على شرفة الكوخ يحاول إقناعه بالبقاء مزيدًا من الوقت ويمهد في الوقت نفسه لإقناعه برغبته الأكيدة في الزواج من ابنة الجزيرة واصطحابها معه إلى بلادهم.
وكانت إجابات السيد حمدان حادة وحازمة ومختصرة، ولم يظهر لكريم من خلالها أن والده
(يُتْبَعُ)