إن ما أبداه ابن جني من تفصيل تمثيلي دقيق لجهاز النطق عند الإنسان وأثر انطلاق الهواء مضغوطًا وغير مضغوط في إحداث الأصوات مختلفة بحسب إرادة الناطق أو الموصوّت: هو ما تبناه علم الأصوات
(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب: 1>9.
(2) المصدر نفسه: 1>9 ـ 10.
الفيزيولوجي ( physiology ـ phonnetics ) في الحديث عن الجهاز التنفسي الذي يقدم الهواء المناسب لتكييف حدوث الأصوات، وعن الحنجرة باعتبارها مفجرة الطاقة الصوتية، وعن التجاويف فوق المزمارية التي تلعب دور عزف الرنين في إنتاج غالبية الضوضاء المستخدمة في الكلام، وعن دور التنفس في مرحلتي الشهيق والزفير في اتساع القفص الصدري لدى الشهيق، فيدعو الهواء الخارجي بسبب هبوط الحجاب الحاجز، وارتفاع الأضلاع إلى الدخول من فتحتي الأنف أو الفم عبر القصبة الهوائية إلى الرئتين، فتنتج أصواتًا استثنائية مسموعة عند الأطفال، أو في حالتي النشيج والضحك.
أما الزفير فيتشمل على ارتفاع الحجاب الحاجز، وهبوط الأضلاع، ونتيجة لهذا يندفع الهواء بكمية كبيرة من الرئتين، هذا الهواء المندفع بالزفير هو الذي يستخدم في التصويت (1) .
إن هذا التحليل الحديث في حدوث الأصوات من وجهة نظر علمية أو تشريحية هو الذي أراده ابن جني في عنايته بمجرى الهواء في عملية إحداث الأصوات، ولكن بأسلوب يتجاوز مناخ بيئته إلى البيئات المعاصرة، وتشبيهه لهذا الجهاز بمراوحة الزامر أنامله في خرو الناي لسماع الأصوات لم يعد اليوم تشبيهًا بل عاد تسمية اصطلاحية في علم الأصوات الفيزيولوجي بالنسبة للتصويت، إذ تطلق كلمة المزمار على الفراغ المثلث المحاط بالحبلين الصوتيين «فالمزمار يكون مفتوحًا في التنفس العادي، كما يكون مفتوحًا خلال النطق ببعض الصوامت المهموسة، أما خلال التصويت فإن المزمار يجب أن ينغلق، على طول الخط الوسيط، فإذا بقي الجزء الموجود بين الغضروفين الهرميين مفتوحًا، بحيث يسمح للهواء بالمرور سمعنا صوتًا مستسرًا هو صوت الوشوشة، وإذا كان الإئتلاف كاملًا كان المزمار في وضع الاستعداد للتذبذب. . . ومن الممكن أيضًا أن نقصر التذبذب على جزء من الحبل الصوتي، وبذلك نختصر طول الجسم المتذبذب، وهو ما يعطينا نغمة أكثر حدة. هذه المعطيات الفيزيولوجية تتفق اتفاقًا كاملًا مع القوانين الفيزيقية التي تحكم التردد
(1) ظ: برثيل مالمبرج، علم الأصوات: 43 بتصرف.
الخاص باسم التذبذب» (1) .
أستطيع القول من خلال النص المتقدم دون مبالغة أو تردد: إن هذا النص يكاد أن يكون ترجمة عصرية لرأي ابن جني في تشبيهه جهاز الصوت لدى التذبذب في إخراج الأصوات بالمزمار، الذي أصبح اليوم نقطة انطلاق الأصوات باعتباره فراغًا يحاط بالوترين الصوتين، إذ لم يكن هناك بد عند ابن جني من تلمس جهاز ملموس للاستدلال من خلاله على قضية يصعب الاستدلال عليها في عصره دون النظر إلى ذلك الجهاز، أما التشبيه الذي عاد اليوم مظنة لمساحة نطقية قرب الحنجرة، فإنه قد لوّن بصبغة خاضعة لعلم التشريح، وليس عصر ابن جني عصر تشريح، ولا هو بمتخصص فيه مع فرض وجود أوليات الموضوع. لذلك جاءت هذه الترجمة معبرة عن رأيه، أو كاشفة عن تخطيطه تلقائيًا، وحاكية لتشبيهه تمثيليًا، والأمر المنتزع من الحس، إذ أقيم عليه الدليل الفعلي، كان مقاربًا للأفهام، ومسايرًا لحركة التفكير.
لقد كان ابن جني موضوعيًا في صفة الجهاز المتنقل في الأصوات مما جعله في عداد المؤسسين.
3 ـ أثر المسموعات في تكوين الأصوات:
ويتمرس ابن جني بعض الحقائق الصوتية، ولكنه يعرضها بحذر ويقظة، وقد ينسبها إلى بعض الناس، وما يدرينا فلعلها له لأنه من بعضهم، إلا أن له وجهة نظر قد تمنعه من التصريح بها لأسباب عقيدية، قد لا يسيغها المناخ الاجتماعي في نظره وإن كانت واقعًا.
(يُتْبَعُ)