حقًا لقد كان البنيوي السويسري فرديناند دي سوسور أقرب إلى الفكر العربي في تصوره لحدود المقطع الصوتي على أساس درجة الانفتاح في الأصوات، إذ تتجمع الصوامت حول الحركات تبعًا لدرجة الانفتاح، فالحد المقطعي يوجد ويتوافر حين يكون التنقل من صوت أكثر انغلاقًا إلى صوت أكثر انفتاحًا (3) .
(1) ظ: برتيل مالمبرج، علم الأصوات: 155.
(2) ظ: المرجع نفسه بتصرف: 157.
(3) ظ: دي سوسور، علم اللغة العام: 77 وما بعدها.
إن هذا التوصل إلى حدود المقطع وتعريفاته عند الأوروبيين هو الذي ذهب إليه ابن جني، وأضاف إليه ذائقة كل مقطع، قال: «وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحروف أن تأتي به ساكنًا لا متحركًا، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فتقول: اك. اق. اج؛ وكذلك سائر الحروف، إلا أن بعض الحروف أشد حصرًا للصوت من بعضها» (1) .
وهذا ما نتعتبره ابتكارًا لم يسبق إليه، إلا فيما عند الخليل في ذواقة للأصوات اب > ات > اع > اغ (2) .
فإنها مقاطع طويلة مقفلة تكونت من ثلاثة عناصر في كل منها هي الألف والكسرة والحرف: ب > ت > ع > غ.
والمدهش حقًا عند ابن جني أن يهتدي الى سر المقطع من خلال تصريفه لشؤون الحركات، فهو يعتبر الحركة صوتيًا تتبع الحرف، فتجد بهما الصوت يتبع الحرف «وإنما هذا الصويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقف عليها، لأنك لا تنوي الأخذ في حرف غيرها، فيتمكن الصويت فيظهر؛ فأنما إذاوصلت هذه الحروف ونحوها فإنك لا تحس معها شيئًا من الصوت كما تجده معها إذا وقف عليها» (3) .
2 ـ جهاز الصوت المتنقل:
يتحدث ابن جني عن جهاز الصوت الممتنقل، أو مجموعة الأجهزة الصوتية في الحلق والفم، وسماعنا تلك الأصوات المختلفة، وذلك عند ذائقته للحرف العربي، ووجدانه الاختلاف في أجراسه، والتباين في أصدائه فشبه الحلق بالمزمار، ووصف مخارج الحروف ومدارجها بفتحات هذا المزمار، وتتوجه عنايه بمجرى الهواء في الفم عند إحداث الأصوات،
(1) ابن جني، سر صناعة الاعراب: 1>7.
(2) ظ: الخليل، العين: 1>47.
(3) ابن جني، سر صناعة الاعراب: 1>7.
ويشبهه بمراوحة الزامر أنامله على خروق الناي لسماع الأصوات المتنوعة والتشعبة بحسب تغييره لوضع أنامله لدى فتحتات المزمار، «فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المسنوقة، وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل منها صوت لايشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم، باعتماد على جهات مختلفة، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة» (1) .
وكذلك تعقيبه على هذا التمثيل في إحداث الصوت بالنسبة لأوضاع أجهزة الصوت، بتشبيهه ذلك بوتر العود، وكيفيية ضربه ببعض أصباع اليسرى أو جسة في اليمنى مما يحدث أصواتًا مختلفة عند تلقي الأذن لذلك فتتذوق من خلال ذلك جوهر الصوت، كما تتذوقه في أصوات الحروف تبعًا للرقة والصلابة في الوتر، وكذلك الحال بالنسبة للوترين الصوتيين في جهاز النطق الصوتي عند الإنسان، يقول:
«ونظير ذلك أيضًا وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل سمعت له صوتًا، فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه، أدى صوتًا آخر، فإن أدناها قليلًا، سمعت غير الإثنين، ثم كذلك كلما أذنى إصبعه من أول الوتر غفلًا غير محصور، تجده بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور، أملس مهتزًا، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر صلابته، وضعفه ورخاوته، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت في أقصى الحلق، جريان الصوت فيه غفلًا غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا» (2) .
(يُتْبَعُ)