فهو يتحدث عن صدى الصوت في بداية تكوين اللغة، وأثر المسموعات الصوتية في نشوء الأصوات الإنسانية، وهو ينقل ذلك عن بعضهم، ولكنه يذهب إليه باعتباره مذهبًا متقبلًا، ووجهًا صالحًا للتعليل، دعمًا لنظريته الصوتية التي يربط بها الأشباه والنظائر، ويحشد لها الدلائل والبراهين، فيقول:
(1) المرجع السابق: 47 وما بعدها باختصار.
«وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك.
وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل» (1) .
فهو يربط بين الأصوات الإنسانية، وبين أصداء الطبيعة حينًا، وأصوات الكائنات الحيوانية حينًا آخر، مما هو من ظوهر الموجودات في الكون، وبين تكوين اللغات التي نشأت من هذه الأصوات في بداياتها الأولى.
«وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم المحدثين من علماء اللغة وعلى رأسهم العلامة وتني Whitney » (2) .
وهذا ما يوقفنا على رأي الأوروبيين، وتعليلهم الصوتي في أصل نشوء اللغات؛ وأهمها في نظرنا ما يوافق ابن جني المنقول آنفًا، والقائل بامتداد الصوت عند الأنسان عن الصوت الطبيعي للأشياء، او الصوت الحيواني غير العاقل، وأن جملة اللغات الإنسانية قد انحدرت من تلك الأصوات.
وهذا لا يمانع أن يكون الله سبحانه وتعالى هو ملهم الأصوات، ومنشىء اللغات، ومعلم الكائنات، فهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي لا تشوبه شائبة، فالكلام عن هذا شيء والبحث عن أصل اللغات في انطلاق الأصوات شيء آخر.
على أن هناك رأيًا آخر يذهب إلى أن أستعمال الإنسان لجهازه الصوتي كان عن طريق التأوهات والشهقات التي صدرت عنه بصورة لا إرادية، وذلك حينما عبر عن آلامه حينًا، وآماله حينًا آخر (3) .
(1) ابن جني، الخصائص: 1>46 ـ 47.
(2) علي عبد الواحد وافي، علم اللغة: 95.
(3) ظ: في تفصيل هذه النظريات، أبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ: 20 ـ 35.
4 ـ محاكاة الأصوات:
وقد ذهب ابن جني مذهبًا صوتيًا فريدًا يربط بين الصوت والفعل تارة، وبين الصوت والاسم تارة أخرى، ويبحث علاقة كل منهما بالأخر علاقة حسية ومادية متجسدة، فجرس الألفاظ ووقعها فيما يحدثه من أصوات وأصداء سمعية قد يكون متجانسًا ومقاربًا لنوعية عنده فيقول:
«فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهيًا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا: قضم في اليابس، وخضم في الرطب. وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف» (1) .
وتجده يلائم بين الصوت اللغوي وعلاقته بصوت الطائر في الاستطالة والقطع، فالراء مرددة مكررة مستطيلة، وصوت الجندب مثلًا مستطيل، فجعلت له «صرّ» مشددة، وصوت البازي مثلًا متقطع، فقطعت الراء فكانت «صرصر» وذلك ما رآه:
«وكذلك قالوا «صر الجندب» فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا «صرصر البازي» لما هناك من تقطيع صوته» (2) .
وفي هذا المجال فإن ابن جني لا يقف عند هذا الحد من النظرية والتطبيق، بل يربط أحيانًا بين الأصوات وبين ما سمي به الشيء، نظرًا لمشابهته لذلك الصوت المنطلق من التسمية، كالبط لصوته، والواق للصرد لصوته، وغاق للغراب لصوته (3) .
وهو بهذا يذهب مذهب من يجد مناسبة ما بين الصوت والمعنى، لا سيما عند البلاغيين في التماس علاقة اللفظ بالمعنى، أو في الدلالة الحسية للفظ بالمعنى، وهو من باب تسمية الشيء باسم صوته، وتلك مقولة صحيحة في جملة من الأبعاد، وحقيقة في كثير من المسميات والتسميات.
(1) ابن جني، الخصائص: 1>65.
(2) المصدر نفسه: 1>165.
(3) المصدر نفسه 2>165.
(يُتْبَعُ)