فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1408

فَخُذْ لِنَفْسِكَ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ وَسَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قَالُوا: فَأَسْقِطْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسَفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ لَكَ إلَّا أَنْ تَفْعَلَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكُمْ فَعَلَ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَفَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدَّمَ إلَيْكَ فَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إذْ لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتنَا بِهِ! إنَّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ منّا حَتَّى نملكك، أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا باللَّه وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا.

[ ] أَلا يلبث الْكَافرين بهَا، وَأَن يعاجلهم بالنقمة كَمَا فعل بِقوم صَالح وبآل فِرْعَوْن، فَلَو أَعْطَيْت قُرَيْش مَا سَأَلُوهُ من الْآيَات وجاءهم بِمَا اقترحوا ثمَّ كذبُوا لم يَلْبَثُوا، وَلَكِن الله أكْرم مُحَمَّدًا فِي الْأمة الَّتِي أرْسلهُ إِلَيْهِم، إِذْ قد سبق فِي علمه أَن يكذب بِهِ من يكذب وَيصدق من يصدق، وابتعثه رَحْمَة للْعَالمين بر وَفَاجِر، أما الْبر فرحمته إيَّاهُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَأما الْفَاجِر فإنّهم أمنُوا من الْخَسْف وَالْغَرق وإرسال حاصب عَلَيْهِم من السَّمَاء، كَذَلِك قَالَ بعض أهل التَّفْسِير فِي قَوْله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ 21: 107. مَعَ أَنهم لم يسْأَلُوا مَا سَأَلُوا من الْآيَات إِلَّا تعنتا واستهزاء لَا على جِهَة الاسترشاد وَدفع الشَّك، فقد رَأَوْا من دَلَائِل النُّبُوَّة مَا فِيهِ شِفَاء لمن أنصف، قَالَ الله سُبْحَانَهُ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ 29: 51 الْآيَة. وَفِي هَذَا الْمَعْنى قيل:

لَو لم تكن فِيهِ آيَات مبينَة ... كَانَت بداهته تنبيك بالْخبر

وَقد ذكر ابْن إِسْحَاق فِي غير هَذِه الرِّوَايَة أَنهم سَأَلُوهُ أَن يَجْعَل لَهُم الصَّفَا ذَهَبا، فهم رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يَدْعُو الله لَهُم فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ لَهُم: مَا شِئْتُم، إِن شِئْتُم فعلت مَا سَأَلْتُم، ثمَّ لَا نلبثكم إِن كَذبْتُمْ بعد مُعَاينَة الْآيَة، فَقَالُوا لَا حَاجَة لنا بهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت