وإن مما يقتل الإرادة في النفس ألا يسارع صاحبها في إنجازها , ومن أجل ذلك أمرنا الله بالمسارعة في إنجاز أعمال الخير فقال:"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) " (آل عمران) , وقال أيضا عن أنبيائه ورسله:"فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) " (الأنبياء) , وقال على لسان نبيه موسى:"وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) " (طه) , وحول معنى الآيات يقول الرسول كما عند مسلم من حديث أبي هريرة:"بادروا بالإعمال", قال عمر بن الخطاب:"العجلة مذمومة في كل شيئ إلا في أمور الآخرة", قال الشاعر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تترددا , ومن الحكم العربية المشهورة: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد .
الخوف وأثره السيئ على الإرادة
ومما يضعف الإرادة ويخفي معالمها الخوف ممن غير الله , ولذلك جعل الله الخوف عبادة لا تصرف إلا له , فمن أنواع التوحيد: توحيد الله في الخوف منه , قال الله تعالى:"إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) " (آل عمران) , وقال أيضا:"أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) " (التوبة) , وقال على لسان إبراهيم:"وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) " (الأنعام) , ومن أنواع الخوف الذي يقتل الإرادات الخوف على الملك و الأموال والضيعات والأولاد والزوجات والبيوت والأنفس وسائر متع الدنيا , قال الله تعالى:"وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) " (القصص) , وقال أيضا:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) " (التغابن) , وقال أيضا:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) " (المائدة) , وعند الحاكم ن حديث الأسود بن خلف:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حسينا فقبله ، ثم أقبل عليهم ، فقال: « إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة » والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم مبخلة: يحمل أبويه على البخل بالصدقة للمحافظة على المال من أجله وأما المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم مجبنة: أي يجبن أباه عن الجهاد خشية ضيعته ."
التسرع وأثره السيئ على الإرادة
وإن مما يفسد الإرادة ويوهن العزيمة التسرع , ففي العجلة الندامة وفي التأني السلامة , ومن القواعد الشرعية قاعدة تقول:"من استعجل الشيئ قبل أوانه عوقب بحرمانه"وفي الصحيح من حديث خباب أن الرسول لام أصحابه بقوله:"ولكنكم تستعجلون", فيا لله كم أفسد الاستعجال من مشاريع وحطم من أهداف وأبطل من آمال ودمر من مخططات , ولذلك فلا غرابة من أن يذم الله الإنسان بقوله:"خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) " (الأنبياء) فالأناة الأناة , فالوصول إلى الهدف مع الأناة خير من عدم الوصول مع السرعة , والله تعالى أعلم .
مع الإرادة لا يوجد مستحيل
مع الإرادة المستمدة من الله لا يوجد مستحيل في قاموس المؤمن , لأن الله على كل شيء قدير