4.إن المؤمنين الذين آمنوا برب الغلام آثروا القتل بإرادتهم على الكفر إظهارا للدين، كما جاء في الحديث (فأمر ـ أي الملك ـ بالأخاديد في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) ، فدخولهم النار بأنفسهم لا يمكن أن يكون ظلما ولاعدوانا، ولا يمكن أن يكون إلقاء بالنفس في التهلكة، بل إن هذا العمل يحبه الله سبحانه ويمدحه وإنه يترتب عليه من المصالح والحِكم ما لا يعلمه إلا الله.
5.إن هذا الحديث من قوة دلالته على مسألة جواز إتلاف المؤمن لنفسه من أجل مصلحة الدين استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية على جواز الانغماس في صف الكفار كما سبق ذكره، واستدل به الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على صورة أخرى من إتلاف النفس لمصلحة الدين وهي قتل الأسير نفسه خشية أن يبوح بأسرار المسلمين وسيأتي ذكر نص كلامه رحمه الله، فكأن هذا الحديث صار أصلا في المسألة تقاس عليها صورها المختلفة، ولا يجوز أن يُعترض على الاستدلال بقصة الغلام بأنه من شرع من قبلنا، فقد احتج بها شيخ الإسلام وغيره في المسألة وهذا من شرع من قبلنا الذي جاءت الشريعة ببيان صحته وإقراره [32] .
6.إن طريق الدعاة وأتباع الرسل الصبر على الأذى والثبات على الحق ونصر الدعوة والمجاهرة بالحق في وجه الملوك والطغاة والجبابرة وإن أدى ذلك إلى القتل، فإن هذا سبيل المؤمنين، كما في قصة سحرة فرعون حيث {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [33] .
وكما ورد في قصة الإمام أحمد بن حنبل في محنته التي شاء الله تعالى أن يحفظ بها السنة، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [34] ، هذا سبيل المؤمنين إن كانوا مستضعفين غير ممكنين، وسبيلهم إن مكن الله لهم في الأرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وهو من جنس الجهاد في سبيل الله ـ والدعوة إلى الله تعالى، ولذلك قال تعالى {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [35] .
هذا سبيل المؤمنين، أما أدعياء العلم في هذا الزمان فيمهدون الأرض للطواغيت بفتاواهم المقعدة عن الجهاد، وإذا قام أتباع الرسل بمعاداة الطواغيت وإعلان البراءة منهم والعمل على خلعهم، قام هؤلاء الأدعياء يشنعون عليهم ويحرضون الطواغيت على قتلهم، كما أن من تمكن في الأرض من هؤلاء الطواغيت وعلمائهم المنافقين كانت سيرتهم موالاة أعداء الإسلام والخضوع لهم كحال حكام بلاد المسلمين الآن، وما كانت سيرتهم أبدا جهاد أعداء الله تعالى، فبهذا يتضح لك أن حال أتباع الرسل نصرة الدين بالكتاب والحديد كما قال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز} [36] .
فإن المؤمنين إن كانوا مستضعفين جاهدوا بقلوبهم وألسنتهم، وإن كانوا ممكنين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا الكفار ونشروا دعوة التوحيد، وبهذا يتضح لك الفرق بين أتباع الرسل الموحدين وبين المنتفعين من أدعياء العلم الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا خدمة للمرتدين وُكلاء أعداء المسلمين من المستكبرين، وقد قال