تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} [37] .
ومما يقوى هذا المعنى وهو"جواز إتلاف النفس من أجل إظهار الدين"ما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله في كيفية أخذ العدو"عكا"من يدي السلطان حيث قال:
لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج لعنهم الله لمدينة عكا، وتمالؤا عليها من كل فج عميق، وقدم عليهم ملك الإنكليز في جم غفير، وجمع كثير، في خمسة وعشرين قطعة مشحونة بالمقاتلة وابتلي أهل الثغر منهم ببلاء لا يشبه ما قبله، فعند ذلك حركت الكؤسات في البلد، وكانت علامة ما بينهم وبين السلطان، فحرك السلطان كؤساته فاقترب من البلد وتحول إلى قريب منه، ليشغلهم عن البلد، وقد أحاطوا به من كل جانب ونصبوا عليه سبعة منجانيق، وهي تضرب في البلد ليلا ونهارا، ولا سيما على برج عين البقر، حتى أثرت به أثرا بيِّنا، وشرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دواب ميتة ومن قتل منهم ومن مات أيضا ردموا به، وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر وتلقى ملك الإنكليز بطشة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة فأخذها، وكان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية، وكان بالبطشة ستمائة من المقاتلين الصناديد الأبطال فهلكوا عن آخرهم رحمهم الله، فإنه لما أحيط بهم وتحققوا إما الغرق أو القتل خرقوا جوانبها كلها فغرقت ولم يقدر الفرنج على أخذ شيئ منها لا من الميرة ولا من الأسلحة، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزنا عظيما، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ [38]
فانظر رحمك الله أيها المجاهد الموحد إلى الحافظ ابن كثير رحمه الله كيف صوب فعلهم وترحم عليهم، وانظر إلى هؤلاء الأبطال الصناديد ـ كما وصفهم الحافظ ابن كثير رحمه الله ـ كيف خرقوا مركبهم بأيديهم فقتلوا أنفسهم من أجل مصلحتين شرعيتين عظيمتين: الأولى: عدم القتل بأيدي الأعداء أو الوقوع في أسرهم، والثانية: حرمان الأعداء من الغنيمة.
ونقصُ في هذا المقام أحد الأمثلة الرائعة التي حدثت في أوائل الثمانينات والتي يعرفها ويتناقلها كثير ممن عايش هذه الأحداث التي دارت على أرض الكنانة (مصر) حيث دارت معركة بين ثلاثة من الإخوة المجاهدين الأبطال ـ عصام القمري وإبراهيم سلامة ـ رحمهما الله ـ ونبيل نعيم ـ فك الله أسره ـ، وبين جحافل الأمن المركزي جنود النظام المرتد العميل هناك، وكانت نتيجة هذه المعركة وبفضل الله تبارك وتعالى أن فرت هذه الجحافل كقطعان الشياة ـ لا تلوي على شئ ـ من قنابل ونيران الإخوة، وبعدما لجأ الإخوة الثلاثة إلى أحد الأماكن الآمنة سقطت من يد الأخ إبراهيم سلامة قنبلة يدوية منزوعة الفتيل فما كان منه ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ إلا أن ألقى بنفسه عليها ـ حماية لأخويه ـ فمزقته تمزيقا (فنحسبه شهيدا ولا نزكيه على الله) .
هؤلاء هم فرسان التوحيد المدافعون عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أعداء أمريكا وإسرائيل الذين يصفهم علماء السوء بالإرهابيين ويصفهم تلاميذهم مُدّعوا السلفية بالمبتدعين ويصفهم الإخوان بالمجرمين المتطرفين {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [39] وحسبنا الله ونعم الوكيل.