فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 49

قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد المأخوذة من غزوة أحد: ومنها جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره. اهـ [62]

وقال ابن حجر رحمه الله: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهنٌ بالمسلمين والله أعلم. اهـ [63]

قال ابن حجر: وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولوشق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والورع وقوة اليقين. اهـ [64]

قال القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم يكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّن في قوله تعالى {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ، وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة من العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يُقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفِيَلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنَّس به فرسه حتى ألِفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي يقدمها، فقيل: إنه قاتلك، فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين، وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب.

قلت (أي القرطبي) : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: فلك الجنة، فانغمس في العدو حتى قتل [65] ، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال:(من يردهم عنا وله الجنة، أو قال هو رفيقي في الجنة) ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا) ـ وذكر رحمه الله كلام محمد بن الحسن السابق ـ ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [66] ، وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله) . اهـ [67]

قال ابن عابدين في حاشيته في شرح قول صاحب المتن: مطلب: إذا علم أنه يقتل يجوز له أن يقاتل بشرط أن ينكي فيهم وإلا فلا بخلاف الأمر بالمعروف، فإن علم أنه إذا حارب قتل وإن لم يحارب أُسر لم يلزمه القتال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت