وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ وُرَيْقَاتٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، وَأَوْرَدَهَا الْفَتُوحِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمُنْتَهَى، وَهِيَ نَافِعَةٌ جَيِّدَةٌ مُوضِحَةٌ لِمَا سَبَقَ.
فَصْلٌ ثُمَّ رَجَعَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَمْرِ الْمَحَابِيسِ فَقَالَ (وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ خَصْمُهُ، وَأَنْكَرَهُ) الْمَحْبُوسُ بِأَنْ قَالَ: حُبِسْت ظُلْمًا وَلَا حَقَّ عَلَيَّ وَلَا خَصْمَ لِي (نُودِيَ بِذَلِكَ) فِي الْبَلَدِ.
قَالَ فِي"الْمُقْنِعِ"وَمَنْ تَبِعَهُ: ثَلَاثًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي"الْمُحَرَّرِ""وَالْفُرُوعِ"وَغَيْرِهِمَا، وَلَعَلَّ التَّقَيُّدَ بِالثَّلَاثِ أَنَّهُ يَشْتَهِرُ بِذَلِكَ وَيَظْهَرُ الْغَرِيمُ إنْ كَانَ غَائِبًا، وَمَنْ لَمْ يُقَيِّدْ فَمُرَادُهُ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَرِيمٌ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي ثَلَاثٍ، فَالْمَعْنَى فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي"الْإِنْصَافِ" (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) خَصْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (حَلَّفَهُ) أَيْ: الْمَحْبُوسَ حَاكِمٌ (وَخَلَّاهُ) أَيْ: أَطْلَقَهُ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ لَظَهَرَ (وَمَعَ غَيْبَةِ خَصْمِهِ) الْمَعْرُوفِ (يَبْعَثُ إلَيْهِ) لَيَحْضُرَ لِلْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الْمَحْبُوسِ (وَمَعَ تَأَخُّرِهِ بِلَا عُذْرٍ) يُخَلِّي سَبِيلَهُ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (بِكَفِيلٍ) احْتِيَاطًا.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ شَرْعِيٍّ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهُ إلَّا إذَا أَدَّى أَوْ ثَبَتَ إعْسَارُهُ، كَمَا فِي بَابِ الْحَجْرِ.
ثُمَّ إذَا تَمَّ أَمْرُ الْمَحْبُوسِينَ (يَنْظُرُ فِي أَمْرِ أَيْتَامٍ وَمَجَانِينَ وَوُقُوفٍ وَوَصَايَا لَا وَلِيَّ لَهُمْ) أَيْ: الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينَ (وَلَا نَاظِرَ) لِلْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا، لِأَنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حِفْظُهَا وَصَرْفُهَا فِي وُجُوهِهَا؛ فَلَا يَجُوزُ إهْمَالُهَا، وَلَا نَظَرَ لَهُ مَعَ الْوَلِيِّ وَالنَّاظِرِ الْخَاصِّ، لَكِنْ لَهُ الِاعْتِرَاضُ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ (فَلَوْ نَفَّذَ) الْقَاضِي (الْأَوَّلُ وَصِيَّةَ مُوصًى إلَيْهِ أَمْضَاهَا)