الصفحة 99 من 172

فأما منصف نفسه فيطلب ذلك، من مجلس أو رحلة أو خلوة لبث بمحراب، يأنس بمخالطة من شاء من أفراد جماعة الإيمان، أو يقتدي بما يروي له من فعل المهتدين.

وأما المشرف على ضلالة، فإنه يتوارى مع صحب له عن العيون، ويكتم سره عن الجماعة، ويبثه لمن يهواه، فيؤز بعضهم الحمية النفسية في البعض الآخر، فيكون حنق، فتثبيط، فتسويغ لا يبرأ من تدليس، فإذا هو افتتان.

تلك التي عرفها عمر بن عبد العزيز فقال:

(ما انتجي قوم في دينهم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة) (1) .

وهذه هي بداية كل بدعة في تاريخ المسلمين، تبدأ بالنجوى، ثم يكون الاستدراج.

فالنجوى دون الجماعة في المفاهيم التي هيمن الدين، أو في خلع الطاعة الشرعية التي هي من الدين أيضًا، والتي يسببها سمى الخوارج الخالعون للطاعة: مبتدعة، يقرن ذكرهم بالجهمية والمرجئة، كل ذلك ضلالة داخلة في قول عمر.

ولا تغير النية الصالحة في طبيعة النجوى أو تسحب عليها ذيل الصلاح تبعًا، ولا ادعاء الاجتهاد وطلبه من خلالها، فإن الاجتهاد لا يترعرع سرًا، لاحتياجه دوما إلى التقويم، وإلى الشهادة له أو عليه من قبل الآخرين، وليس بتلك ذلك في أجواء التناجي المتوارى المستخفي الذي يشبه التهامس.

ولقد أظهرت لنا التجارب الكثيرة أن معظم التناجي يؤدي إلى الخروج ونكث البيعة، ولا تتجاوز أن يكون مرحلة أولية للماشي في درب الفتنة، دري أو لم يدر، ولا يتجاوز حجة المتناجي أن تكون هي نفسها حجة الخارج، كلاهما يدعي أنه يريد مصلحة الإسلام، وأنه يمارس ضربا من العبادة، والخطأ يلفهما لفا.

كل الخوارج مخط في مقالته، وإن تعبد فيما قال واجتهدًا وتقريرات سيد قطب رحمه الله لمجالات النجوى المذمومة في القرآن الكريم تلتقي مع هذا الذي نقول: ويذهب لأبعد ممن يتوهم أن الله تعالى قد ذم النجوى في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقط. فهو يعقب على الآية الكريمة.

(1) كتاب الزهد للإمام أحمد/291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت