فإن مجالس المؤمنين لم تعرف إلا زيادة الإيمان لها هدفا، وكان ابن رواحة يأخذ بيد أبي الدرداء، رضي الله عنهما، ويقول: (تعال نؤمن ساعة) (1) ، فيتذاكران أمر الإيمان، ويتعرفان على مسالك التوبة، ويتآمران بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
وكان عمر بن عبد العزيز يأمر أبا بكر بن عمرو بن حزم، رحمهما الله، بالجلوس للتعليم، ويقول له:
(ولتجلسوا، حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا) (2) .
وجعل أحمد بن أبي الحواري الدمشقي المجالسة دواء قسوة القلب، فقال:
(إذا رأيت من قلبك قسوة فجالس الذاكرين، وأصحب الزاهدين) .
فمجالس المؤمن عزيزة، ولا ينبغي أن يجلس إلا بنية أن يؤمن ساعة ثم يقوم، متداولا أية أو حديثا أو وصية حكيم من صالح المؤمنين، وليس من حقه أن يميل بالجالسين معه إلى نقد اجتهادات قادته بما يهاب أن يذكره لهم صريحا.
وكذلك غدوات المؤمنين وروحاتهم، فإنها ثمينة مثل مجالسهم، ومن لم يجد عند الذين حوله فقها فإن عليه أن يسيح طلبا له، كما كان التابعي علقمة بن قيس النخعي الكوفي قول لأصحابه:
(امشوا بنا نزدد إيمانًا، يعني يتفقهون) .
أو يذهب إلى من يرجو أن يلين له قلبه إذا ألهاه الصفق بالأسواق وأحاديث الرواتب وفرق الأسعار، كما كان التابعين ميمون بن مهران يذهب إلى سيد التابعين الحسن البصري ويطرق بابه ويقول له:
(يا أبا سعيد: قد آنست من قلبي غلاظة: فاستلن لي منه) .
فإن لم يجد الصاحب الجليس الصالح، والمداوي الملين، فإن أمامه خلوة ساعة تذيقة حقيقة اللذة، فإنه ( ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل) كما يقول التابعي مسلم بن يسار.
ثم أمامه المحراب، يذكره به التابعي بكر بن عبد الله المزني ويتساءل:
(من مثلك يا ابن آدم؟
خلي بينك وبين المحراب تدخل منه إذا شئت على ربك، ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان).
الاجتهاد لا ينمو في الجيوب
(1) كتاب الزهد لابن المبارك /490.
(2) صحيح البخاري 1/35.