الصفحة 78 من 172

يقول آمين، وينطلق من فوره بعد ذاك لإتمام أنواره، ويندفع نحو ومضات:

النور الثامن، وهو:

صون الأذن عن استماع الغمز

فيدعها في عافية من بعد ما عافى لسانه من تتبع زلات الناس وانتبه لعيوب نفسه، إذ:

(ليس من جارحة أشد ضررا على العبد -بعد لسانه- من سمعه، لأنه أسرع رسول إلى القلب، وأقرب وقوعًا في الفتنة) .

فسمعك صن عن قبيح الكلام

كصون اللسان عن النطق به

فإنك عند استماع القبيح

شريك لقائه فانتبه (1)

وهذا ما يستدعيه التعجل الإيماني المستحب للسائر في طريق الأنوار، فإن استماعه للهماز يضيع عليه وقته الثمين إن لم يضره، ويفوت عليه الالتذاذ بمنظر شروق:

النور التاسع، الساطع ببريق:

المسارة في نصيحة القادة

فلما لم يعط النبي -صلى الله عليه وسلم- جعيل بن سراقة الضمري رضي الله عنه شيئا من المال، وهو المهاجر المجاهد، وأعطى من هو دونه، وظنها سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه إهمالا لجعيل، وأراد توثيقه: قام النبي -صلى الله عليه وسلم- مقترحًا:

قال سعد:

(فساررته قلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنًا؟ قال: أو مسلمًا) (2) .

فذكر ابن حجر أن هذا الحديث يتضمن من الفقه:

(أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان) ,.

قال:

(وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة) (3) .

ولما طلبوا من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يكلم بعض الأمراء حول أمر ضجروه منه قال:

(إنكم لترون أني لا أكلمه؟

إلا أسمعكم أني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه؟) (4) .

فأخبرهم أنه لم يغفل عن ذلك، وأنه كلمه، ولكن في السر، خوفا أن يستغل أهل الأهواء كلامه، فيتخذونه ذريعة إلى الفتن والمفاسد.

فلهذا يسمي هذا النور: نور أسامة، وما زال يتولي إيقاده من دعاة اليوم كل أسامة.

لا تعن سفاكًا!!

(1) أدب الدنيا والدين/257.

(2) صحيح البخاري 2/147.

(3) فتح الباري طبعة البابي 1/88.

(4) صحيح البخاري 4/147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت