(قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم، وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهم بأس بعض) (1) .
وقديما قال أهل المثل:
(العسكر الذي تسوده البطالة يجيد المشاغبات) .
فإنما يكون تحريش الشيطان في مجالات الركود، ولئن أنجى الله المصلين من عبادة الشيطان، فإنه سبحانه قد ترك له مجالا للتحريش، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
(إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) (2) .
لا يقول لهم: هذا تحريش، وأنا شيطان، وإنما يلبس لباس الزاهد العابد، ويتكلم بفصاحة الناصح الأمين، حتى إذا خدع وأوهم، وفرق وأبهم، ولي مقهقها وهم يبكون.
هكذا دائمًا أسلوب الشيطان:
(يعرض الشر في معرض الخير، والتمييز في ذلك غامض، وأكثر العباد به يهلكون) (3) .
لا خير في طاعة هاوية
وإنما يعصى الشيطان بمبادرة من الداعية يجدد فيها عزمه على الطاعة، فإنه هو المسؤول عن هذه المبادرة، وإليه يتوجه الخطاب، وإن ظن أن في الطاعة تفويتا لصواب يعتقده، فإنما يبني كيان الجماعات والجيوش والدول على هذا التنازل من الأكثرة لقلة ترسم الطريق وتقود، كافرها ومسلمها، في القرون الأولى وفي المستقبل.
ومن أحدث ما قرأنا عن شروط انتصار الجيوش كلام القائد الإنكليزي مونتغمري، المنتصر في العلمين على رومل، حين يقول في مذكراته:
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 15/44.
(2) صحيح مسلم 8/138.
(3) إحياء علوم الدين 3/29.