لا لأننا نحتكره، أو نرى ضيقه، بل هو طريق فسيح عريض، ولم تجد الأثرة لها فيه ثغرة لتدلف منها فتسده، ولا يقف التعنت خلف أبوابه ليمنع ولوج مخطئ قد استبد به الحنين، وملك عليه التحذير من الصفقة الغابنة جوانب قلبه، فأطلق منه لسان الاعتذار، وعزم على الأوبة إلى مباهج الفطنة، ولكن لأن الشرع أعطانا حق إزالة أسباب الضرر التي توضع عبر طريقنا، وإنما نحن بناة منارات هدى، ليس لذي معاكسة أن يزاحمنا في طريق مهنتنا التي شغفناها حبا في هذه الحياة، وما من مخلص إلا ومتاعب الأمة تخاطبه أن يساعدنا ويشد أزرنا، أو يدعنا نوقد الأنوار، ونواصل رفع القواعد من:
المنار السابع بعد العشرين، الناشر لإشعاع""
الاتعاظ بالتاريخ
فإن التاريخ يكشف لنا عن دور اليهود في تجريح القيادات المسلمة كلما رأوا نجاحها وفشل أساليبهم الأخرى في محاربة الإسلام، بل أصبح النيل من القادة، ومحاولة تحطيم مكانتهم المعنوية في نفوس المسلمين، هو الأسلوب المفضل عندهم.
إنه (التماسك حول العقيدة القومية والقيادة الأمينة هو الذي يتعب اليهود وأعداء الجماعة المسلمة -في كل زمان- وهو الذي يكلفهم الجهد والمشقة، ومن ثم تتجه جهودهم أولا لتحطيمه) (1) .
وتوضح الفتنة التي حدثت زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا الدور والتخطيط اليهودي جليا، ودورانه حول محور واحد هو: إفساد طاعة الجنود لأمرائهم.
فقد كانت لعثمان رضي الله عنه اجتهادات في أمور بسيطة استغلها المغرضون في التشنيع عليه وإلباسها لبوس الإحداث في الدين، مثل إتمامه الصلاة في منى أيام موسم الحج، وحرق المصاحف التي تخالف مصحفه الذي دونه كبار قراء الصحابة بإشرافه، وإنهائه نفي الحكم بن أبي العاص ورده إلى المدينة بعد أن أبعده النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها. وله خطبة أثبتها ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم) بين فيها صواب اجتهاداته هذه .
(1) في ظلال القرآن 4/222.