هنا يأخذ فرعون ما يأخذ كل طاغية توجه إليه النصيحة. تأخذه العزة بالإثم. ويرى في النصح الخالص افتياتا على سلطانه، ونقصا من نفوذه، ومشاركة له في النفوذ والسلطان: «قالَ فِرْعَوْنُ: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ» .. إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صوابا، وأعتقده نافعا. وإنه لهو الصواب والرشد بلا شك ولا جدال! وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيا؟! وإلا فلم كانوا طغاة؟! [1]
وقال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) } [غافر: 36، 37]
وَلَمَّا سَمِعَ فِرَعَوْنَ المُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِهِ الذِي كَانَ يَكْتُمْ إِيْمَانَهُ، قَالَ لِوَزِيرِهِ هَامَانَ مُسْتَهِزئًا: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي قَصْرًا مُنِيفًا عَالِيًا، لَعَلِّي أَصْعَدُ فَأَبْلغُ طُرُقَ السَّمَاوَاتِ وَأَبْوَابَهَا. فَإِذَا وَصَلْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ رَأَيْتُ إِلَهَ مُوسَى، وَإِنِّي لأَظُنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ أَنَّ لَهُ إِلهًا فِي السَّمَاءِ أَرْسَلَهُ إِلَيْنا نَبِيًّا. وَهَكَذَا زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِفِرْعَوْنَ عَمَلَهُ السَّيِئَ هَذَا، فَأَوْغَلَ فِي كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ، وَصَدِّهِ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، بِمِثْلِ هَذِِهِ الشُّبَهِ والتَّمْوِيَهَاتِ، وَلَنْ يَكُونَ كَيْدُ فِرْعَوْنَ واحْتِيَالُهُ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ إِلَيهِ، فَيَطِّلِعَ إِلَى إِلهِ مُوسَى إِلاَّ خَسَارًا وَبَاطلًا يَلْحَقُهُ. [2]
والأمر- كما ترى- هزل، ليس فيه شىء من الجدّ .. وإنما هو تكأة يتكىء بها فرعون على كرسىّ سلطانه الذي يكاد يسقط من فوقه! إذ كيف يبنى «هامان» صرحا يرتفع به إلى السماء؟ وفى كم من الزمن يتمّ بناؤه، إن كان ذلك الأمر مستطاعا، وكان محمولا على محمل الجدّ؟ وهل ينتظر فرعون بموسى هذا الزمن المتطاول حتى يتم بناء الصرح، ويصل به إلى أبواب السماء، ثم يطرقها، ويبحث عن إله موسى هناك؟ إنها مما حكات وتعلّات يتعلل بها فرعون، ليخلص من هذا المأزق الذي أوقع فيه نفسه، بإعلان رأيه فى
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3874)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4048، بترقيم الشاملة آليا)