وهكذا استطاع الرجل المؤمن، بحكمته وسياسته في كتم إيمانه، أن يلقى فرعون والملأ من حوله، بهذا المنطق الرزين الهادئ، في غلاف رقيق من النصح والمناصحة! ويطرق الملأ من آل فرعون، وقد دارت رءوسهم من هذا المنطق الواضح وما بين يديه من حجة وبرهان .. ثم تتحرك بعد ذلك شفاه، وتنطلق كلمات، تعلّق على هذا الحديث، بين آخذ به، ورادّ له .. ويدع فرعون القوم يجادل بعضهم بعضا، ويفنّد بعضهم مقولات بعض .. حتى إذا فرغوا مما عندهم: جاء إليهم من عل، في سلطانه، وما يحفّ به من جلال وهيبة، فيلقى إليهم بهذا الأمر الملكي: «قالَ فِرْعَوْنُ: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ» .
إنه ليس لكم عندى في هذا الأمر إلا ما رأيته من قبل، وما سمعتموه منى حين قلت لكم: «ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ» .. تلك هى كلمتى الأولى والأخيرة .. وإنها الكلمة التي فيها رشادكم، وحمايتكم من هذا الشر الذي يهبّ عليكم: «وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ» ! فهل تشكّون في حمايتى، وحرصى على حفظكم ورعايتكم، وارتياد مواقع الخير لكم؟ [1]
إن الرجل يشعر بما يشعر به القلب المؤمن، من أن بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض فهم أحق الناس بأن يحذروه، وأجدر الناس بأن يحسوه ويتقوه، وأن يبيتوا منه على وجل، فهو يتربص بهم في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ومن ثم يذكرهم بما هم فيه من الملك والسلطان، وهو يشير إلى هذا المعنى المستقر في حسه البصير. ثم يجمل نفسه فيهم وهو يذكرهم ببأس الله: «فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا؟» ليشعرهم أن أمرهم يهمه، فهو واحد منهم، ينتظر مصيره معهم وهو إذن ناصح لهم مشفق عليهم، لعل هذا أن يجعلهم ينظرون إلى تحذيره باهتمام، ويأخذونه مأخذ البراءة والإخلاص. وهو يحاول أن يشعرهم أن بأس الله إن جاء فلا ناصر منه ولا مجير عليه، وأنهم إزاءه ضعاف ضعاف.
(1) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1229)