ونقول: إننا لا ننكر أن الوسط ليس هو الكمال كله، وأن فوق الوسط منازل كثيرة للفضل، وأنه غير محجور على الناس أن يرتفعوا إليها، وأن يتنافسوا فيها .. بل إن ذلك مندوب محمود ..
ولكن هذا شىء، والتشريع العام شىء آخر. التشريع إلزام لا انفكاك منه .. التشريع عقد بين صاحب الشريعة وأتباع هذه الشريعة .. فهم مطالبون بالوفاء بما شرع لهم، وهم ملومون مأخذون بالعقاب إذا قصروا .. وليس الأمر كذلك فيما كان عن تطوع واختيار .. إذ للإنسان أن يمضيه أو يعفى نفسه منه .. ولا لوم عليه! والتشريع حين يكون عاما .. لأمة، أو للإنسانية كلها- تقتضى الحكمة فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا .. الأقوياء والضعفاء .. في جميع الأزمان والأوطان.
لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده، في دعوتهم إلى الإسلام، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية، ومختتم رسالات السماء- اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء، وأن يكون ما في الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل الله عليهم، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا .. فإنه ما على المحسنين من سبيل. [1]
إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا، فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها. وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم .. وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها فيقرر لها موازينها وقيمها ويحكم على أعمالها وتقاليدها ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة ..
وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها .. لتعرفها، ولتشعر بضخامتها. ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعدادا لائقا ..
(1) - التفسير القرآني للقرآن (1/ 166)