فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 317

والضعفاء جميعا ... إنه سير يحفز همّة الضعيف ويشحذ عزمه، على حين أنه يمسك زمام الشارد، ويردّ أنفاسه المبهورة.

وقوله تعالى: «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» هو الميزان الذي يضبط الأمة الوسط، ويحكم قيامها على هذا الطريق السّوىّ، حيث كان الرسول الكريم هو المثل الأمثل لأمته، فهو في الأمة الوسط شهادة قائمة عليها، يأخذ بقوله وعمله خطّ الوسط فيها، فيمسك بالضعاف أن ينزلوا عن المستوي الجامع للأمة الوسط، ويهتف بالمغالين ألّا يتفلتوا من خط هذه الأمة وينقطعوا عنه.

والوسط من كل شىء هو مركز الاعتدال منه، ونقطة التوازن فيه.

وطبيعى أن فوق الوسط منزلة أعلى منه، وأنه ليس غاية الكمال، ومع هذا، فإنه- في مجموعه- خير مما فوقه، لأنه أثبت وأدوم، ولأنه أقرب إلى متناول الناس، إن لم يكن الناس جميعا، فالأغلب الأعم منهم.

إن الاعتدال في أي شىء وفى كل شىء، هو مما يحتمله الناس ويقدرون على الوفاء به، ويصبرون على ما يكرهون منه، أما ما فوق الوسط فهو أمر لا تحتمله أكثر النفوس، ولا تصبر عليه .. وقد يرتفع الإنسان إلى أكثر مما يحتمل، فيختل توازنه ويسقط .. ولا تكون السلامة والعافية إلا حيث الاعتدال، الذي يجد الإنسان في مجاله القدرة على التحرك إلى فوق، وإلى تحت، وهو في تلك الحركة- بحكم الوسط- لا يخرج عن المقام الكريم اللائق به، حيث يظل- بالوضع الذي هو فيه- مشرفا على الأرض، مستشرفا للسماء! وقد يقول بعض القائلين: إن الوسط لا طعم له، ولا ذاتية لوجوده ..

إنه أشبه بالخط الوهمي بين شيئين .. إنه ليس شيئا، ولا ضد شىء.

إن القسمة في الأمور، هى الشيء وما يقابله .. الخير والشر .. الأبيض والأسود .. الحلو والمر .. الجميل والقبيح .. اليمين والشمال ..

أما الوسط الذي يفصل بين هذه المتقابلات فليس إلا خطا وهميا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت