الصفحة 25 من 48

وتقع في شراك الصراع اللغوي أيضًا بعض الشعوب التي تفتح الباب لاستقدام أناس لا يتكلمون لغة من يستقدمونهم ليباشروا كثيرًا من الأعمال الحيوية التي تقف على إحيائها شركات أو مؤسسات تستخدم أعدادًا غفيرة من البشر، فهذه الأفواج البشرية ستفرض صراعًا لغويًا مع لغة من وفدوا إليهم.

ولا ريب أن نزوح العناصر الأجنبية إلى بلد ما -مع هيمنتهم لإدارة مصلحا هذا البلد مثلًا- مما يحدث هذا الصراع اللغوي كما هو مقرر عند علماء اللغة (1) ، ولعل الأمة التي استخدمت هذه العناصر التي لا تتكلم لغتها تنجو من الصراع اللغوي لو استقدمت أناسًا يتكلمون بلسانها ولا غرو أن الأمم التي توقع نفسها في مثل هذا الصراع اللغوى تعرض نفسها لداء خفي وتقع في خطأ يدل على قصر النظر.

الصراع اللغوي ليس بالأمر اليسر، بل له أبعاده وخطورته العميقة، ولا يشعر بحقيقة هذه الخطورة عامة الناس، بل ولا كثير من المثقفين، وإنما يفهم ذلك اللغويون الذين يعون ذلك جيدًا، ولذلك فلا غرابة لما نسمعه من أن أبا الأسود الدؤلي هاله ما رأى من ظهور اللحن في زمانه، لقد شعر جيدًا بالأمر فعدّه من الأهوال، وهو كما رأى -رحمه الله-، حتى أخذ يناشد الولاة ويستحثهم إلى وضع ما يدفع به ذلك الداء النازل بهم (2) .

إن الصراع اللغوي يحتاج إلى عشرات بل مئات من السنين حتى يتضح أثره وتتجلى خطورته، إن هذا الصراع هو صراع بقاء ومحاولة هيمنة لإحدى هاتين اللغتين على الأخرى، وهذه أمثلة يتجلى بها للقارئ آثار الصراع اللغوي ونتائجه الخطيرة الأثر في حياة الشعوب (3) .

(1) انظر: علم اللغة، د. علي عبد الواحد وافي / 229، ط دار نهضة مصر.

(2) انظر: طبقات النحويين واللغويين للزبيدي / 23.

(3) راجع لمزيد من ذلك: علم اللغة، د. علي عبد الواحد وافي / 70 232.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت