جمهورها موقع الرضى، وكان بذلك من أهل الحياة، وما معجم اللغة إلا مجموعة من المعاني التي احتاجت الأمة إلى التعبير عنها، فاختارت لكل معنى لفظًا يدل على الجهة التي نظرت الأمة منها إلى ذلك المعنى عندما سمته باللفظ الذي اصطلحت عليه، فلغة الأمة تتضمن تاريخ أساليب التفكير عندها من أبسط حالاته إلى أرقاها، يعلم ذلك البصير في أبنية اللغة وتلازمها ومن له ذوق دقيق في ترتيب تسلسلها الاشتقاقي" (1) ."
وتزداد أهمية اللغة وضوحًا عندما نتكلم عن ما يعرف بصراع اللغات.
الصراع اللغوي:
لا يعني هذا المقال بالحديث المباشر عن صراع اللغات أو أسبابه أو نتائجه، وحسبنا هنا أن هذا الصراع قائم، وله وجود في لغات الأمم ذات الاحتكاك الكثير والمباشر بأمة أو ذات لغات أخرى. وتزداد فاعلية هذا الصراع وحدّته عندما تكون أمة من الأمم لها أطماع في أمة أخرى.
ولا ريب أن الصراع اللغوي ينشأ من تجاور أو معايشة لغتين واحتكاكهما ببعضهما، وسواء أكانت اللغتان لأمتين مختلفتين أو أمة واحدة، ومعنى هذا أن الشعوب ذات اللغة الواحدة ولكنها تتخذ لغة أخرى في بعض شئونها الحيوية كتدريس بعض العلوم وبخاصة العلمية التطبيقية كالطب والهندسة وما إليهما في المعاهد أو الجامعات كشأن بعض البلاد العربية مثلًا، فهذه الشعوب قد فرضت على نفسها صراعًا لغويًا كان بإمكانها دفعه لو استخدمت لغتها الأصلية في هذه المعاهد أو تلك المصالح الحيوية.
ولقد عرف الناس مغبة من أخذ العلم بغير لغة أمته من قديم، وشاعت في الناس حكمة يرددونها: إن التعليم باللغات الأخرى ينقل بعض الأفراد إلى العلم، ولكن التعليم باللغة الوطنية ينقل كل العلم إلى الأمة.
(1) مجلة الزهراء المجلد الأول سنة 1343، ص 66.