لقد نتج عن غزو الرومان لوسط أوربا وشرقها وجنوبها أن تغلبت لغتهم اللاتينية على اللغات الأصلية لفرنسا وأسبانيا وايطاليا وغيرها، ذلك مع قلة الرومان المغيرين على هذه البلاد بالنسبة لسكانها، وفي العصر الحديث عندما انتشر الغزو الأوربي لأطراف الأرض كوّنت دول أوربا كتلًا بشرية في مناطق هجرتها، وكثُر أفرادها مع قوة سيطرتها كان من ذلك أن نجم عن استعمار الانجليز لأمريكا الشمالية واستراليا وبعض نواح في جنوب أفريقيا انتشار اللغة الإنجليزية في هذه الأرجاء الواسعة. ونجم عن استعمار الأسبان في أمريكا الجنوبية أن كانت الأسبانية لغة معظم دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية وغيرها.
وإذا كان هذا الصراع السابق مرتبطًا بالصراع السياسي، وكانت ظروفه تختلف عن صراع آخر أقل جرأة ووسائل كتغلب اللغة العربية بفضل انتشار الإسلام على كثير من لغات الشعوب الآسيوية وعلى لغة الأقباط ولغة البربر في أفريقيا؛ فإن هذا لا ينكر خطورة الصراع اللغوي الذي قد تحدثه عوامل أخرى غير سياسية أو حربية.
وإنما قلت عن تغلب العربية: إنه أقل جرأة ووسائل، لأن المسلمين لم يفرضوا لغتهم ويتشددوا في ذلك في البلاد التي فتحوها، ولم يكن لهم من الوسائل العسكرية أو العلمية الحديثة ليستخدموا كل ذلك في نشر لغتهم كما حدث في الاستعمار في العصر الحديث، ولا ننسى أن العربية لما كانت لغة الدين كان ذلك دافعًا روحيًا للشعوب الداخلة في الإسلام أن ترغب في هذه اللغة وتقبل عليها وتنشرها في بلادها.