فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 73

ويتبين لنا مما سبق أيضًا أن هناك تخبط في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، فحتى الآن لا يوجد قرار أمريكي مجمع عليه، يعطي من خلاله التفويض لجهة معينة تتعامل مع المنطقة فيما بعد حرب العراق، فوزير الدفاع الأمريكي يزور المنطقة ويطلق الاتهامات هنا وهناك، ويهدد باتخاذ قرارات المقاطعة والحصار وهي قرارات رئاسية عبر الخارجية، وليست من صلاحيات وزير الدفاع، ثم يعين وزير الدفاع الحكومة المدنية في العراق دون الرجوع للخارجية وهذا حسب نظام الحرب أن الخارجية تتولى إدارة المناطق التي تحت سيطرة قوات الاحتلال، ثم حصل تغيير في الإدارة في العراق، وقبلها حصل التخبط في شأن إدارة أفغانستان، ونستطيع أن نقول بأن التخبط الأمريكي الظاهر على عدم تحديد صلاحيات وزارة الخارجية والدفاع، سيقود المنطقة إلى اضطراب عظيم، مماثل للذي يحصل في العراق وأفغانستان وهو نموذج حي وقريب، فلا سلطة تسيطر على المنطقة والقوات الأمريكية عاجزة عن استيعاب الحدث فضلًا عن إدارة الأمور، ولو تم تحديد الصلاحيات لكل وزارة فإن التاريخ يشهد بأن أمريكا ما دخلت في قضية وأوصلتها إلى حل، بل إنها لا تزيد القضايا إلا تعقيدًا واضطرابًا، فقضية البلقان والكوريتين وأفغانستان والعراق وقبلها الصومال والسودان وغيرها من القضايا كلها شاهدة على فشل السياسة الأمريكية، فهي سياسة احتلال ونهب للثروات وتسلط وسيطرة بالقوة وغطرسة فقط لا غير.

يؤكد ذلك ما قاله وزير الدفاع اليوناني (يانوس بابا نطونيو) الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في مقابلة تلفزيونية أجرته معه قناة (ميغا) الخاصة الليونانية يوم الاثنين 11/ 3/1423هـ قال: (إن الخطر الأول بعد الحرب على العراق يمكن أن يكون(موجة الغطرسة الأمريكية الجديدة) وقال: إن الخطر يتمثل في أن يؤدي الانتصار الأمريكي في العراق إلى موجة غطرسة جديدة مع تدخلات أحادية جديدة ضد سلسلة من الدول، وقال بأن هذا هو الخطر الأول إذا لم تكن هناك رقابة دولية على هذه التدخلات فقد يقود الأمر العالم إلى الفوضى وشريعة الغاب).

وأكد (بطرس غالي) الأمين العام للأمم المتحدة السابق هذا الأمر بقوله (إن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق تخرج عن نطاق الشرعية الدولية وتمثل هدية للأصوليين، وحذر من منطق الحرب الاستباقية التي تضمنتها عقيدة بوش قائلًا: إنها يمكن أن تتسبب في إشعال عشرات الحروب خلال السنوات المقبلة، واستبعد غالي تشكيل نظام دولي جديد إثر انتهاء الحرب على العراق، قائلًا: إن حدوث ذلك يتطلب إجماعًا دوليًا وما يحدث حاليًا ليس مبنيًا على إجماع، وأعرب غالي عن تشاؤمه إزاء الوحدة العربية في السنوات القليلة المقبلة مؤكدًا أن تحقيق ذلك شرطه وجود جيل جديد يؤمن بالوحدة العربية، أما الجيل الحالي فهو غير مقتنع بأهمية الوحدة، وقال بأن الدول الكبرى لم تعد في حاجة إلى الأمم المتحدة، إذ أن لديها جهازًا دبلوماسيًا قويًا وشركات كبرى مسيطرة، لكن العالم الثالث في أشد الحاجة إلى المنظمة باعتبارها منبرًا تستطيع من خلاله التعبير عن أحلامها وآمالها) .

ويقول كيسنجر في كتاب له طبع بعد أحداث سبتمبر مباشرة: (إن الولايات المتحدة أصبحت قوة عسكرية وحيدة في العالم مع القدرات الاقتصادية المتنامية للولايات المتحدة لابد أن يتحول ذلك إلى واقع عملي تكون فيه أمريكا هي المسيطرة الأولى على مصير العالم كله، وأن تتحول إلى ما يمكن تسميته بالإمبراطورية الأمريكية العظمى، في هذا الكتاب حدد كيسنجر ملامح الخطة الأمريكية للهيمنة على العالم، وقال لابد من البدء بالسيطرة على وسط آسيا وضمان بترول بحر قزوين للشركات الأمريكية، مؤكدًا أن ذلك لابد أن يتم بتواجد عسكري أمريكي في أفغانستان لتكون القوة العسكرية الأمريكية على حدود الصين وعلى حدود روسيا وإيران وهي الدول الكبرى في آسيا لضمان السيطرة على الجناح الشرقي للخليج العربي، حيث يوجد مخزون البترول الرئيس في العالم، في نفس الوقت طالب كيسنجر في هذا الكتاب بالقضاء على النفوذ الإسلامي الممتد من سنغافورة شمالًا حتى اليمن جنوبًا، وأن تغير الولايات المتحدة الأمريكية من تحالفاتها الحالية بأن تستبدل تحالفها مع دولة باكستان المسلمة بدول علمانية مثل الهند وتركيا لأنها تتفق مع الأهداف الأمريكية في إضعاف الدول الإسلامية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت