سبب كلامي في ذلك، أنني سُئِلتُ عن بيع القناديل الذهب التي بالحجرة المعظمة الشريفة، وأن بعض الناس قصد بيعها لعمارة الحرم الشريف النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام والرحمة، فأنكرته واستقبحته [1] .
أما إنكاره فمن جهة الفقه، لأن هذه القناديل إن كانت وقفًا صحيحًا فلا يصح بيعها، ومن يقول من الحنابلة ببيع الأوقاف عند خرابها [2] ، أو من الحنفية [3] القائلين بقول أبي يوسف في الاستبدال، إنما يقول بذلك إذا كان يحصل به غرض الواقف بقدر الإمكان، وأما هنا فقصد الواقف إبقاؤها لمنفعة خاصة؛ وهي التزيين، فبيعها للعمارة مُفَوِّتٌ لهذا الغرض [4] ،
(1) لخص السمهودي في وفاء الوفا 2/ 364 - 370 ماورد في رسالة السبكي، ورد عليه في عدة مواطن، فانظره، ومن ذلك قوله: أما التحلية بما ذكر فلم يثبت عن من يحتج بفعله. وقد نقل الشيخ الموفق - يقصد ابن قدامة المقدسي مؤلف كتاب المغني - الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب، والقناديلُ من الأواني بلا شك، واستعمالُ كل شيء بحسبه، فاستعمال ما ذكر بتعليقه للزينة، وقد سُلََِّم تحريم اتخاذ الآنية منها أيضًا. وفاء الوفا 2/ 367.
ثم قال في آخر كلامه عن هذه المسألة مانصه: ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحواله لم يخف عليه أن كل ذلك لم يكن يعجبه في حياته، هذا الذي أعتقده، والله أعلم. اهـ. وفاء الوفا 2/ 370، وانظر: المغني 5/ 631.
(2) انظر: المغني 5/ 631.
(3) انظر: شرح فتح القدير 6/ 227، ولو شرط الواقف أن يستبدل به أرضًا أخرى.
(4) ذكر الفيروزآبادي في المغانم 3/ 1347: قول السبكي: إن غرض الواقف أمر خاص وهو التزيين فبيعها مفوت لهذا الغرض.
ثم عقب عليه بقوله: غير جيد، لأن غرض الواقف ليس إلا التقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس غير، ولا غرض له في التزيين به البتة، ولا في الإبقاء، وهذا أمر مشاهد يَجده كل مسلم من نفسه، لا سبيل لأحد إلى إنكاره.
وذلك أن كل من عَلَّقَ هنا قنديل ذهب، ثم عَرَضَ للحجرة الشريفة عِمَارة، لكان منتهى أُمْنِيَّة ذلك الإنسان أن يُصْرَفَ قنديله في عِمَارته دون مال غيره، ليفوز هو بذلك، ولو تَحقق أن كل من يبذل المال في العمارة المذكورة فإنه يود أن لا يصرف في عمارة الحجرة إلا قنديله أولًا، فكيف يَجزم الإنسان بأنه يفوت به مقصود الواقف وهو التزيين.