الصفحة 51 من 66

ثم بعد هذا هل تكون بعده صدقة، ويكون لهنّ فيها حق السكنى، أو فكيف يكون الحال؟ والظاهر الأول، ويحتمل أن يقال: إنها لهن بعده، وتكون قد دخلت بالشراء أوالوقف في المسجد، كغيرها من الأماكن. وإن كان الأول فتكون أدخلت في المسجد، وإن لم يكن لها حكمه، وحكم صدقته - صلى الله عليه وسلم - جار عليها، ومن جملة صدقته انتفاع المسلمين بالصلاة والجلوس فيها.

هذا كله في غير المدفن الشريف، أما المدفن الشريف فلا يشمله حكم المسجد، بل هو أشرف من المسجد، وأشرف من مسجد مكة، وأشرف من كل البقاع، كما حكى القاضي عياض الإجماع [1] على ذلك؛ أن الموضع الذي ضم أعضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا خلاف في كونه أفضل، وأنه مستثنى من قول الشافعية والحنفية والحنابلة وغيرهم أن مكة أفضل من المدينة، ونظم بعضهم في ذلك:

جَزَمَ الجميعُ بأنَّ خيرَ الأرض ما ... قد حَاطَ ذاتَ المصطفى وحَواهَا

ونعم لقد صَدَقوا بسَاكِنِهَا عَلَتْ ... كالنفس حين زَكَتْ زَكَى مَأوَاهَا [2]

(1) الشفا 2/ 682.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التربة التي دفن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا أعلم أحدًا من الناس قال إنها أفضل من المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى إلا القاضي عياض فذكر ذلك إجماعًا وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه ولاحجة عليه، بل بدن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من المساجد. فتاوى ابن تيمية 27/ 37.

(2) البيتان من قصيدة طويلة لأبي محمد عبد الله بن عمر البسكري. وقد ذكرها كاملة السمهودي في وفاء الوفا 5/ 127 - 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت