ثم ذكر مسألة خلافية بين الفقهاء في الوقف على المسجد؛ هل هو وقف على المسلمين أو على مصالح المسجد؟ ورجَّح أنه وقف على المسجد، والكعبة لها اختصاص بذلك لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ} ، فما يُهدى إليها وما يُنذر لها وما يوجد فيها من الأموال لا يصرف في غيرها، لا للفقراء ولا للحرم الخارج عنها المحيط بِها، ولا لشيء من المصالح إلا أن تعرض لها نفسها عمارة أو نَحوها فحينئذٍ يُنظر، فإن كانت تلك الأموال قد أُرصدت لذلك فتصرف فيه وإلا فتختص بالوجه الذي أُرصدت له، ولا يغير شيءٌ عن وجهه. فالمرصد للبخور لا يصرف في غيره، والمرصد للسترة لا يصرف في غيره، والمرصد للعمارة لا يصرف في غيرها، والمرصد للكعبة مطلقًا يصرف في جميع هذه الوجوه.
ويعود المؤلِّف للحديث عن الوقوف وأنه إذا علم حالها وكان عليه قرينة تدل عليها فتصرف على ما أُوقفت، وأما القناديل والصفائح فتبقى على حالها ولا يصرف منها شيءٌ.
ثم ذكر أقوال المذاهب الأربعة في حكم تحلية الكعبة بالذهب والفضة وتعليق القناديل عليها ورجّح الجواز، وردّ على أقوال المخالفين.
ثم تحدّث عن مسألتين؛ الأولى: حكم كسوة الكعبة بالحرير، وما يعمل بالكسوة إذا تلفت، والثانية: حكم استعمال أواني الذهب والفضة، وأثبت أنه لا يحرم استعمالها في غير الأكل والشرب.
ثم انتقل للحديث عن المدينة ومسجدها والحجرة الشريفة، موضحًا أن مسجد المدينة أولى من غيره من المساجد بالتزيين، وأما الحجرة الشريفة (مكان المدفن الشريف) فلها فضل آخر مختص بها يزيد شرفها به، فالمدفن الشريف لا يشمله حكم المسجد الشريف، بل هو أفضل من المسجد، وأشرف من مسجد مكة، وأشرف من كل البقاع، ونقل الإجماع الذي حكاه القاضي عياض في ذلك.