قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها تبارك وتعالى في السماء ، قال: أعتقها فإنها مؤمنة . فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله ؟
وسأل صلى الله عليه وسلم أين الله ؟ فأجاب من سأله بأن الله في السماء ، فرضي جوابه ، وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربه ، وأجاب هو صلى الله عليه وسلم من سأله أين الله ، ولم ينكر هذا السؤال عليه ، وعند الجهمى أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه وما طعمه وما جنسه وما أصله ، ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة .
وسألته صلى الله عليه وسلم ميمونة أم المؤمنين ، فقالت: أشعرت أني أعتقت وليدتي ؟ قال: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك . [متفق عليه] .
وسأله صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم عن صاحب لهم قد أوجب يعني النار بالقتل ، فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار . [ذكره أبو داود] .
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل: كم أعفو عن الخادم ؟ فصمت عنه ، ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم ؟ قال: اعف عنه كل يوم سبعين مرة . [ذكره أبو داود] .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنا ، فقال: لا خير فيه ، نعلان أجاهد فيهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا . [ذكره أحمد] .
وسأله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر ، أفيجزئ عنها أن أعتق عنها ؟ قال: أعتق عن أمك . [ذكره أحمد] . وعند مالك: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال: نعم .
واستفتته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها ، فقالت: إني أردت أن أشتري جارية فأعتقها ، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا ، فقال: لا يمنعك ذلك . إنما الولاء لمن أعتق .
والحديث في الصحيح ، فقالت طائفة: يصح الشرط والعقد ، ويجب الوفاء به ، وهو خطأ .
وقالت طائفة: يبطل العقد والشرط ، وإنما صح عقد عائشة ، لأن الشرط لم يكن في صلب العقد ، وإنما كان متقدمًا عليه ، فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به ، وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلل به ، ولا أشار في
الحديث إليه بوجه ما ، والشرط المتقدم كالمقارن . وقالت طائفة: في الكلام إضمار تقديره: اشترطي لهم الولاء أو لا تشترطيه، فإن اشتراطه لا يفيد شيئًا ، لأن الولاء لمن أعتق ، وهذا أقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ . وقالت طائفة: اللام بمعنى على ، أي اشترطي عليهم الولاء ، فإنك أنت التي تعتقين، والولاء لمن أعتق ، وهذا وإن كان أقل تكلفًا مما تقدم، ففيه إلغاء الاشتراط ، فإنها لو لم تشترطه لكان الحكم كذلك . وقالت طائفة: هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي من قول هشام بن عروة ، وهذا جواب الشافعي نفسه .
وقال شيخنا: بل الحديث على ظاهره ، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم باشتراط الولاء تصحيحًا لهذا الشرط ، ولا إباحة له ، ولكن عقوبة لمشترطه ، إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه ، فأمرها أن تدخل تحت
شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله ، لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه ، وإن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه ، ولا يبطل البيع به ، وإن من عرف فساد الشرط ، وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر ، فتأمل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق ، والله تعالى أعلم .