ونص الإمام أحمد رضي الله عنه فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته ، وليس للسلطان أن يعفو عنه ، بل يعاقبه ويستتيبه ، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة .
وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهم المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض ، وصرحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما ، فإن أبى ضرب حتى يختار .
قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه ، فإنه يضرب حتى يؤديه .
وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور .
وأبعد الناس من الأخذ بذلك: الشافعي رحمه الله تعالى ، مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع ، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب . منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف ، وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته ، بناء على القرائن ، ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر ، وجواز أكلها والتصرف فيها ، وإن لم يشهد عدلان أن فلانًا أهدى لك كذا ، بناء على القرائن ، ولا يشترط تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية . ومنها جواز تصرفه في بابه بقرع حلقته ودقه عليه ، وإن لم يستأذنه في ذلك . ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة ، وإن لم يستأذنه نطقًا ، وإن تضمن ذلك تصرفهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه ، ومنها جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرح له بالإذن لفظًا . ، ومنها جواز شربه من الإناء وإن لم يقدمه إليه ولا يستأذنه ، ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه ، ومنها جواز الاستناد إلى وسادته ، ومنها أخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره ، وإن لم يصرح بتمليكه له . ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها ، وإن لم يستأذنها نطقًا ، إلى أضعاف أضعاف ذلك .
وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب ، وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة ؟ وهذا باب واسع ، وقد تقدم التنبيه عليه مرارًا ، ولا يستغني عنه المفتي والحاكم .