كَثُرَ القيل والقال في المتشابهات من آيات الصفات، واحتدم النزاع في تأويلها، ووقعت الفتنة بين طوائف العلماء وكفَّر بعضهم بعضًا.
ولكنهم مع اختلافهم في تأويلها قد اتفقوا على أمرين:
الأول: صرف هذه الآيات عن ظواهرها المستحيلة في حق الله تعالى، لكونه مغايرًا لجميع الخلق، كما هو معلوم من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وحملها على معانٍ تليق بذاته -جل وعلا، وذلك بردِّ المتشابهات إلى المحكَمَات، وهي التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل، وهو الوجه الذي يريده الشارع الحكيم دون سواه.
الثاني: أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهمًا قريبًا وجب القول به إجماعًا.
وذلك مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} .
فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعًا، وليس لها بعد ذلك إلّا تأويل واحد، وهو الكينونة معهم بالإحاطة علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وإرادة.
وكقوله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} 1.
فالمراد بجنب الله حقَّه وما يجب له، كما تقتضيه لغة العرب، ليس له معنى يجب أن يُحْمَل عليه غيره.
واختلفوا فيما سوى ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب السَّلَف، وهو أقومها طريقة، وأهداها سبيلًا، فقد قرروا أن الإيمان بالمتشابهات، وتفويض أمر العلم بها إلى الله تعالى ورسوله واجب.
1 الزمر: 56.