تصطرع مبادىء دعوتهم , مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس. ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس , ومزالق الطريق , ومسارب الضلال!
ثم. .
لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لا بد فيها من خير , ولا بد فيها من سر , يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون. .
فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها. . أفواجا. . في نهاية المطاف!
إنها سنة الدعوات. وما يصبر على ما فيها من مشقة ; ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله , فلا يشط فيعتدي وهو يرد الاعتداء; ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد. .
ما يصبر على ذلك كله إلا أولو العزم الأقوياء:
(وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) . .
وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام. وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال. من أهل الكتاب من حولها. ومن المشركين أعدائها. .
ولكنها سارت في الطريق. لم تتخاذل , ولم تتراجع , ولم تنكص على أعقابها. .
لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت. وأن توفية الأجور يوم القيامة. وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور. .
على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف ; وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو. .
والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان. والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان. وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها , تتوالى القرون والأجيال ; وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال. .
والقرآن هو القرآن. .
وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان ; وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة , ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها. .
ولكن القاعدة واحدة: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) !
ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين ; وصور من دعايتهم للبلبلة والتشكيك. أحيانا في أصول الدعوة وحقيقتها , وأحيانا في أصحابها وقيادتها. وهذه الصور تتجدد مع الزمان. وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة , وتوجه كلها إلى الإسلام في أصوله الاعتقادية , وإلى الجماعة المسلمة والقيادة الإسلامية. فلا تخرج على هذه القاعدة التي كشف الله عنها للجماعة المسلمة الأولى , وهو يكشف لها عن طبيعة الطريق , وطبيعة الأعداء الراصدين لها في الطريق. .